فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 711

لم أتمكن اليوم من الدخول وحصرت خارج الكوم أو الهرم البشري، حاولت أن أقف في مكاني قدر الإمكان حتى لا أوذي إخواني أو أدوس أحدًا منهم، فوصل إلي أحد الجلادين وحطمني بعصاه المرة بعد المرة، وسارعت أبتعد وأدافع بيدي عن رأسي ومن ثم أدس نفسي بين إخواني في الكوم محاولة للدخول فالكوم أرحم .. ومضت الدقائق والمعركة على أشدها، وقد بلغ الأمر مداه وضاق الحال، حتى أذن الله بالفرج.

15 شباط 1982 أفواج إعدامات

(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلًا) صدق الله العظيم.

نشطت عمليات الإعدام الجماعي بعد هدوء نسبي، وأخذ الجلادون يطلبون الأفواج إثر الأفواج، فيأخذونهم إلى الموت حتى كادت عمليات الإعدام تكون يومية، وغدت رحلة الموت تتم بسهولة ويسر وكأنها نزهة، يطلب المعتقل من مهجعه، ويقال له محاكم، ثم يؤخذ وهو معصوب العينين موثق اليدين فما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى يرفعوه على الخشبة معلقًا من رقبته، وخلال نصف دقيقة أو أقل يكون قد قضى وصعدت روحه إلى بارئها حيث الأمان والسلام وما يشعر بالألم إلا كمثل القرصة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ما يجد الشهيد من مسّ القتل إلا كما يجد أحدكم من مسّ القرصة، وينجو من كيد هؤلاء الظالمين المجرمين فما يعود باستطاعته الجلاد فواز ولا زبانيته الوصول إليه بأي أذى أو عذاب ..

تبدأ رحلة الموت هذه المرة بالرقيب يقف وراء باب المهجع المغلق وفي يده قائمة طويلة مدروزة بالأسماء .. ويصرخ بالأسماء من خلال الفتحة الصغيرة (الشراقة) والكل في المهجع وقوف مطرقون .. لا يدري أحد هل يصرخ باسمه؟ هل جاء دوره لرحلة الموت؟ إنها فرصة للنجاة من هذا السجن الرهيب، وهذا الموت البطيء على أيدي الجلادين، ودعنا الدنيا وأقبلنا على الآخرة نتصور ما فيها من راحة وأمان حيث تنعدم قدرات قوى الشر هذه أن تنال أحدًا بأذىً .. وحيث ينال المعتقل العدالة التي مات محرومًا منها.

كان كثير من الأخوة يتساءلون: هل هذه القتلة (شنقًا) شهادة في سبيل الله أم لا؟ وهم يرون أفواج الذاهبين إلى الإعدام وقد تتابعت وفيها من كان في حياته السابقة تقيًا صالحًا، وفيهم من لم يكن كذلك إنما هو من تائبي سجن تدمر .. ومنهم من عمل لدينه وربه ومن لم يعمل وكان بعض المتسائلين من المهددين بالإعدام ولم يروا لهم كبير عمل أو صلاح يشفع لهم، فهم يريدون أن يطمئنوا على المصير وكانوا يقولون حائرين: نحن لم نقم بكبير عمل بل لم نعمل شيئًا يذكر في سبيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت