فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 711

الله؟ وكان كثيرون قد أخذوا واعتقلوا على غرة فجيء بهم إلى هذا المكان حيث يواجهون الموت ويتعرضون للإعدام لعمل بسيط لم يعرفوا له قيمة .. أو لتهمة لم يتلبسوا بها .. أو لغير ما ذنب أو جريرة .. يقولون نحن ما جاهدنا في سبيل الله.

وكان بعض ذوي العلم يرجعون الأمر إلى مشيئة الله، ولكني أجد الأمر على صورة أوضح، فقلت لهم بصراحة يا إخوة أنتم تدعون أنكم لم تفعلوا شيئًا وتقولون لم نجاهد في سبيل الله .. وبالتالي فنحن لا ندري ما نتيجتنا عند الله، وهل يمكن أن نحسب شهداء في سبيله فإني أقول لكم لا تطمينًا ولا رياء: أنتم مع سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه أسد الله وأسد رسوله، إنكم لم ترضوا بالظلم يقع ببلدكم وإخوانكم ولم تسكتوا عن الظالم ولم توافقوه على ظلمه وفجوره فمن قتل بيد هذا الظالم الفاجر فهو مع سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه في أعلى الجنة إن شاء الله، مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم ووعده (سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه) ورجل قام إلى إمام جائر فوعظه ونهاه فقتله وأنتم كذلك فاطمئنوا وأبشروا رحمكم الله.

أخذنا نودع في كل يوم أو يومين عددًا من الإخوة الذين عشنا معهم وعرفناهم وأحببناهم وارتبطنا بهم برباط الأخوة في الله .. كان أكثرهم من الشباب الصغيرين في عمر الزهور .. أطهار كأكمام الورد حييون كالعذارى لم يعرفوا وهم في هذه السن انحرافات (المراهقة) لم يعرفوا إلا التقى والصلاح والنقاء والصفاء والطهور، دؤوبون على العمل والدراسة والمطالعة واكتساب المعارف والدعوة، فكانوا نعم الشباب ونعم الدعاة ونعم الرجال.

أعود بذاكرتي وأنا في محبسي إلى البارحة تمامًا كان يجلس هنا بجانبي الشاب (م. ل) والشاب (ع. ق) و (م. ع) وقد عزم كل منهم أن ينمي ثقافته ويغذي أفكاره بالقرآن وعلومه وبالسيرة النبوية، وبالحديث النبوي، فهو مقبل على العمل مقبل على الله، مقبل على الخير ثابت الجنان، لن ترعبه أهوال السجن ولم تفقده سلامة تفكيره ولم تؤثر في هدوء أعصابه، وهو يعلم يقينًا أن أجله أصبح قريبًا وأن أيامه أصبحت معدودة، بل كان يضحك لغباء الجلادين وهم يظنونه خائفًا أمامهم ويعجب لتعنت سادتهم الطاغين في عداء الحق والنور والخير، وفي الاعتداء على الأبرياء وفي الظلم والفجور والتعدي الصارخ وإلغاء كل الحقوق. بل كان بعض هؤلاء الشباب يعاند الجلادين في سجن تدمر الرهيب في شجاعة فائقة واستهتار شديد بهم بسياطهم وبسادتهم، فإذا خوفه زملاؤه من الضرب والعذاب قال ساخرًا: أنا أشتهي أن أضرب علقة ساخنة في سبيل الله ..

يوم 21 شباط 1982

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت