فهرس الكتاب
نزلاء المهجع (28) يعانون من مشكلة، فقد سمعناهم وهم يضربون الباب ويطلبون من الحرس الإبلاغ عن وجود مريض في خطر لديهم، وراقبنا ما يجري، جاء الزبانية وطلبوا منهم إخراج المريض على بطانية فلما أخرجوه إليهم وأغلق الباب وراءه، سأله أحد الزبانية عن المكان الذي يؤلمه فأشار المعتقل إلى صدره وبطنه، فانقض عليه وأخذ يضربه بعصا غليظة كانت معه على صدره وبطنه والمريض ينتفض بين يديه ولن يتركه حتى أيقن أنه فارق الحياة.
25 شباط 1982
استمر سيل الإعدامات حتى لقد تمت عمليات الإعدام خلال أربعة أيام من هذا الأسبوع السبت والأحد والاثنين والأربعاء، ففي كل صباح ننتظر قائمة جديدة وذاهبين إلى الموت نودعهم بألم، ونجلس في صمت وقهر نناجي ربنا ونضرع إليه، ونستغيث به طوال ساعتين أو ثلاث حتى تنتهي عمليات الإعدام ولا تنقضي الأحزان، ولا الآلام، فأيامنا مليئة برائحة الموت والإعدامات، لم يكن بيننا وبين الآخرة إلا شيء يسير، ورحلة قصيرة من هنا حتى الورشة .. وخلال دقائق معدودة يكون كل شيء قد تم وحدثت تلك النقلة التي يعدها الناس كبيرة وما هي إلا يسيرة هينة، فما إن يلتف الحبل الرفيع على العنق ويعلق المعتقل من رقبته، حتى يكون في الحياة الأخرى .. خلال دقائق أو ثوان يحيا حياة الأرواح عند رب الدنيا والآخرة، حيث الكرم الإلهي والعدل الرباني والرحمة. حيث لا ظلم لا بغي ولا كرابيج ولا عذاب ولا قهر ولا جوع ولا عطش .. وتنتهي الآلام وينجو المعتقل من معتقله وعذابه وجلاديه في سجن تدمر، لذلك كنا نناقش هذا الأمر .. نقول ما أهونها رحلة وما أجملها من فرصة للنجاة والخلاص والراحة .. ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتمنى المسلم الموت عند الضر، لتمنينا هذه الموتة، خاصة وأنها شهادة وأن وراءها رضوان الله ورحمته، وأن وراءها فوزًا وخلودًا وحنانًا وجنانًا .. لذلك كان البعض لا يريد أن يفرط في نعمة الله التي أنعم بها عليه مع ما في ذلكم من ضر وعذاب، ولكن بهدف وحيد .. يسر به في مناجاته لربه فيقول ضارعًا يا رب .. يا رب .. يا رب .. لا تمتني هاهنا ولكن أمتني يا رب شهيدًا في ساحات القتال وأنا أحمل السلاح محاربًا للظلم والظالمين .. الباغين المجرمين أعداء الحق والدين ..
كانت لنا ملاحظات في الأيام الأخيرة منها أن صوت التكبير قد خمد، فلم يعد يسمع بتاتًا خلال عمليات الإعدام حتى الزفير وحشرجة الموت، لم نعد نسمعها .. إلا نادرًا وكأنما كتمت أنفاس هؤلاء المعدمين عند تنفيذ الإعدام .. وكان أمرًا غريبًا لم نجد له تفسيرًا إلا أن يكون الزبانية يكممون أفواه المعدمين.