فهرس الكتاب

الصفحة 403 من 711

نبوغ الأميين

هناك من المعتقلين الأميين من نبغ في حفظ القرآن وتفهم معانيه. فها هو الأخ (ي س) ابن العشرين عامًا يحفظ حتى الجزء الخامس والعشرين حفظًا دقيقًا، بإصرار ومثابرة وتدقيق، وهو الذي لا يعرف الألف من الياء ولا التاء من الخاء، عاش يتيمًا من الأب، وتربى على العمل والشقاوة (شقاوة الأولاد) وكان له زميل ورفيق صبا يحبه ولا يفارقه .. تمازحا يومًا وهما في سن الصبية المراهقين (16) سنة وكان المزاح (بالقندرجية) (وهي سكين فولاذية قاطعة) فشقت بطن الأخ (ي س) وكادت تقضي عليه، فحمل إلى المستشفى، وفر الزميل خائفًا ولكنها كانت مزحة .. وعاد الزميلان إلى الصحبة وعزما على السفر في هذه السن، وسافرا مئات الكيلو مترات بعيدًا عن الأهل والبلد، ولكنهما عادا .. ليلقيا قدرهما .. أو ما قدر الله لهما من محنة .. واعتقلا وحقق معهما وسيقا سوية إلى سجن تدمر العسكري، فهما اليوم غارقان في المحنة مقبلان على الله، مندفعان إلى القرآن .. ولكن (ي س) بزّ الجميع بنشاطه وصبره ومثابرته فها هو يحفظ ويأخذ من معين القرآن بدأب ونشاط وتدقيق دون ملل وهو يرافق المعلم أبو. ن ويلزم المهندس الزراعي (م. ج) وكلاهما من أنشط من في المهجع في حفظ القرآن .. وهو معهما الفارس المجلي حفظ كل ما في المهجع من قرآن، وفي المهجع الجديد الذي نقلنا إليه بعد ذلك، اندفع يحفظ ويحفظ، مما أفاء الله علينا من قرآن، كان محبوسًا وغائبًا عنا .. وهكذا حتى رأيته أخيرًا وهو يحفظ السورة الأخيرة ويكاد يكمل حفظ القرآن كله غيبًا .. وهو يقرأ كل يوم ثلاثة أجزاء مراجعة، ثم يحفظ من 10 - 15 آية يكررها ويرددها ويقرأها مع آيات قبلها من السورة نفسها .. فيومه كله قرآن وتلاوة وذكر وحفظ ومراجعة، ومع ذلك لم يكن يقتصر في سعيه وطلبه للعلم على القرآن وحده، كان يبحث هنا وهناك عن علوم إسلامية أخرى يغذي بها روحه، وينمي معرفته، وكان يعتب علي المرة بعد المرة وهو يراني أجالس بعض الشباب والطلاب فيقول: نحنا مالنا دور .. مالنا حق عليك .. ؟

فأقول له: لك حق وكل الحق .. وهكذا كان لي معه ومع إخوة آخرين مجلس يومي نتحدث فيه عن الأنبياء وسيرتهم، وعن الابتلاء والمحنة والصبر والفرج والنصر في حياتهم .. وكان يغرم بهذه الأحاديث وسمع السيرة وأغرم بها، وأراد أكثر وكان له بعض ما أراد، فهو لا يريد أن يقف عن التعلم والتفقه وكان من طباعه الغضب، فقد كان غضوبًا شديد الغضب، لا يكاد يقف في وجه غضبه شيء، فإذا غضب وثار وعربد، واضطرب جسمه، واحمرّ وجهه، وهدد وتوعد وأرغى وأزبد .. وكان غضبه والحق يقال: للحق يمتهن أو يضيع، فهو يثور للخير لا لنفسه، ولكن بطريقته الخاصة فإذا سوي الأمر واسترضي رضي وفاء وندم، فنعم الغضب ونعم الرضى، وهو بعد ذلك نشط دؤوب على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت