فهرس الكتاب
على المعتقلين حملة الكرابيج والعصي، أصحاب الدواليب ومن أبرزهم الرقيب الحاقد"فواز"فرعون عصره في تدمر الذي طغى وبغى فلم يسلم أحد من كيده وشره.
يوم 19 أيار 1982
أستاذ ومدرس قدير ومرب فاضل من مربي الجيل يبلغ من العمر (40) سنة متوسط القامة أسمر الوجه أمضى في التعليم بضعة عشر عامًا، ذلك هو المعتقل (محمد جميل ب) من محافظة إدلب.
كان الأستاذ محمد جميل مريضًا منذ بضعة أشهر دون أن يكشف عليه طبيب أو يلتفت إليه أحد، وكانت حالته تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، ومع انهيار قوته الجسمية فإن قوته الإيمانية كانت في الذروة، فهو مؤمن بأن هذه المحنة ما هي إلا أيام وستزول وسيعقبها فرج كبير ونصر عاجل بإذن الله، وإن لم تحتم أن يعيش ليرى هذا الفرج، فالآجال بيد الله.
ولما أقعده المرض عن الحركة وصعب عليه الأمر، بكى ألمًا وقهرًا ولكن الأخوة انتدبوا لخدمته واختص بالعناية به زميل له ومدرس رياضيات مثله، فهو يحوطه بالعناية ليل نهار، يحمله ويضعه ويهيئ له مضجعه الخشن، ويلبي طلباته في الليل والنهار، ويغسل ثيابه ويعتني به كما تعتني الأم بطفلها.
ولكن حالة الأخ زادت سوءًا يومًا وبعد يوم، فلما كان يوم أمس غاب عن الوعي وأخذ يردد كلمات غير مفهومة المعنى، وحزن الأخوة المعتقلون في المهجع جميعًا لحاله واهتموا لما به وأخذوا يدعون له بحرارة، ولكن روحه الطاهرة انتقلت إلى بارئها قبيل الظهر، فغسلناه وكفناه بثيابه وصلينا عليه ثم أخرجناه للزبانية حيث أخذ إلى مثواه الأخير.
كانت وفاة هذا الأخ الطيب رغم ما كان يتمتع به من صحة جيدة حين مجيئه إلى سجن تدمر صدمة قوية للمعتقلين، فهو مؤشر هام على ما ينتظر المعتقلين جميعًا من هلاك سواء بالتعذيب والضرب على أيدي الزبانية، أم بالشنق أم بغيره من الصور والأسباب.
كان الصيدلي (ع) وهو شاب دون الثلاثين، رقيق الحاشية، يجلس ويمد رجليه ويقشر الدمامل المقيحة أو يفقأها، ويعتصر القيح منها.
وكنت أتألم لحاله وأقول له مازحًا: الله يعينك ..
فيتحسر ويقول أنا ما شفت ولا سمعت بمثل هذا الجرب .. فأقول له: وبشر الصابرين ..
وبعد أن يهدأ يسألني بعد أن يطلب مني الجلوس: تعال لعندي .. نعم خبرني كيف شايف حالك؟ .. كيف وضعنا في سجن تدمر؟ .. وهل إلى خروج من سبيل؟ .. فأقول له: أما أن الله كريم عظيم رحيم وسنخرج من هنا بإذن الله سالمين غانمين، رغم أنف الكافرين والحاقدين .. ولا يعجبه هذا الكلام