فهرس الكتاب
فيقول: يا أبا محمد، لماذا نحن نتكلم في الآمال .. نعم أملنا بالله أننا سوف نخرج من السجن ولكن الواقع .. أنا أريد الواقع كيف ترى هذا الواقع؟ وهل سيفرج عنا حافظ أسد وإلا (بدو يموتنا هون) وأقول: هذه بيد الله وحجه، ولا يحيي ولا يميت إلا الله على كل حال هذه ليست آمال بل يقين، فالله لن يتركنا ولن يتخلى عنا ونحن بحبله مستمسكون وببابه واقفون، ويرد قائلًا: والله الصحيح أنا شايف أن الموتة هون .. ما في طلعة .. إذا ما أعدمونا بدنا نموت مرض وجوع أو عذاب وقتل، وبعد وفاة الأستاذ محمد جميل كان يقول: كلنا بدنا نلحق الأستاذ محمد جميل.
يوم 23 أيار 1982
كان من الجلادين المشرفين على عملية الحلاقة اليوم اثنان من عتاة الجلادين الأول: الجلاد صلاح - طويل أبيض (22 سنة) ابن مختار قرية ساحلية قريبة من بانياس حاد الصوت - كثير الحقد على المسلمين- شديد الكره للصلاة والمصلين. والثاني: جلاد مهذار لا يكف عن الهذر والسباب والفحش وكأنه مخمور في حانة وهو يتسلى خلال ذلك بتعذيب المعتقلين.
كان الجلاد الرهيب صلاح شديد الحماس كعادته للضرب والأذى، يستعمل يديه أحيانًا فيلكم ويصفع، وأحيانًا أخرى يستعمل الكرباج يضرب به الظهور والرؤوس. وقد اخترع مع نفر من الجلادين العتاة ممن هم على شاكلته، أسلوبا جديدًا من أساليب العذاب وذلك منذ فترة من الزمن، فكان يأخذ المعتقل من الخارجين للحلاقة، فيلكمه ويرفسه ويصفعه ثم يلقيه أرضًا على ظهره، ويجثم على صدره ويضغط بركبته على عنقه، حتى يحطم حنجرته ويكاد يقضي عليه.
اليوم أخذ الجلاد صلاح شابًا من اللاذقية وهو محام في الخامسة والعشرين من العمر يدعى (ي) فضربه وعذبه ثم ألقاه أرضًا ودعس على عنقه وظل يضغط حتى أغمي على الرجل المسكين وانقطع نفسه، ولما رأى الرقيب ما جرى صرف صلاح رفيقه عن الرجل المسكين، ثم أمر اثنين من المعتقلين أن يحملوه إلى المهجع، وفي المهجع أخذ الرجل المغمى عليه يقيء وقد انقطع نفسه، فهو يشرق بريقه ولعابه وقيئه، حتى كاد يختنق، وجحظت عيناه، واصفر وجهه وظل كذلك فترة وغدا بعد ذلك عليلًا نحيفًا. وقد طبق صلاح هذه الطريقة على عدد من المعتقلين في المهاجع الأخرى، فقتل على يديه عدد من المعتقلين، وكان الجلاد الآخر الفاحش يتسلى بتعذيب المعتقلين بصور أخرى منها: أنه يأمر المعتقل أن يضع إصبعة السبابة على الأرض ويدور حولها بسرعة -وهو يستحثه- وكان المعتقل بعد ذلك يحس بالدوار، فيقع على وجهه على الأرض، أو يصطدم بالجدار فيشج رأسه، أو تلتوي عنقه، ومع ذلك كان يضربه بالكرباج ويسخر منه ومن ألمه، وكان مع هذا الجلاد نفر من رفاقه الجلادين، يعاونونه ويتسلون معه، فما أبشعها من تسلية.