فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 711

الأخ"أبي إبراهيم"وهو بنّاء في الخمسين من عمره، وقد خالط الشيب شعره وجعل له مظهرًا مهيبا، ً فغاظه مظهره وصورته الساكنة الهادئة، فانقض عليه ورفس وجهه بقوة جعلت الدم يتدفق من فمه وأنفه، وصرخ فيه وسبه: شو جاي تسوي هون .. ما وسعك بيت أمك وأبوك ما شبعوك الخبز جاي لعندنا .. !!

وكان ممن نالهم الضرب والأذى، المعتقل الأخ أبو أنس الذي أصر على أن يقف بدل أحد كبار السن في الصف المواجه للزبانية، فأصابه ما أصابه ولكنه لم يأبه لما أصابه، وقال لمن حاول أن يشجعه أو يعزيه: يا أخي هذا الجسم يجب أن يفنى في سبيل الله.

يوم 5 حزيران 1982 حمام دم

كانت الساعة تقترب من الرابعة بعد الظهر، والحر شديد والجو خانق، ونحن نجلس في ظلام المهجع، نذكر الله ونسبحه وقد مال بعض المعتقلين على بعض يتهامسون بأصوات خافتة كالعادة، كان هذا يوم آخر يكاد يمضي وينقضي من أيام سجن تدمر الطويلة الحافلة.

كانت هذه حالنا بينما كان زبانية سجن تدمر من جهة أخرى يكيدون ويمكرون، فليس لدرك التردي الذي يساقطون فيه من قرار، فقد عميت بصائرهم وتسلطت أهواؤهم، وما عاد للنور إلى قلوبهم من سبيل.

وما لبثنا أن فوجئنا بمجيء الزبانية، وسمعنا صوت الجلاد الفاجر فواز، وهو يصرخ: (مهجع 32) ولك حقراء .. بالشورت يا كلاب)، واتبع ذلك بسيل من السباب البذيء، لم يدع عندنا شكًا في أن ما سمعناه حقيقة وليس وهما، ً فأسرعنا ننزع ثيابنا ونخرج، لم يكن من المتوقع حضور الزبانية في مثل هذا الوقت الذي يكونون في كسالى متخمين بعد وجبة الغداء الدسمة التي حشوا بها بطونهم.

كان الجلاد الفاجر فواز في أشد ما عرف عنه من حقد وغل، فهو يصرخ ويسب وينقض علينا مع الزبانية الآخرين، يضربوننا بالكرابيج والعصي، ويتلاعبون بأرواح المعتقلين كما يحلو لهم .. وفي طريقنا إلى الحمام كان الجلاد الفاجر فواز مع الزبانية ينظمون لنا في كل باحة وعند كل زاوية أو باب تمر به هجمة عذاب شرسة، من ذلك النوع الذي برع الجلاد الفاجر فواز في شنها على المعتقلين، فيهجمون علينا كأنهم الكلاب المسعورة، أو الوحوش الضارية، ويضربوننا حتى يكلوا، وفي الحمام ذاته أخذوا ينقضون على من تصل إليه أيديهم منا فيضربونه، فتناثرت الدماء في أنحاء الحمام نتيجة جروح وإصابات كثيرة، وأصبح الحمام"حمام دم".

وفي طريق العودة كان أشد ما يثير الزبانية ويزيد في أوار هجوهم علينا، هو أننا نحمل الأخوة المصابين الذي عجزوا عن متابعة السير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت