فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 711

يعجز القلم حقًا عن وصف أحداث ذلك اليوم المشهود وما جرى فيه، والذي شمل التعذيب المهلك فيه جميع المعتقلين في مختلف مهاجع السجن، وقتل فيه واستشهد عدد من المعتقلين أذكر منهم: الطالب الشهيد أحمد طوير: وهو شاب حدث لم يبلغ السابعة عشرة من عمره، من مدينة إدلب، ضربه الزبانية على رأسه بالعصي حتى سقطت إحدى عينه من محجرها، فحملها وهو يكبر، حتى استشهد وانتقلت روحه إلى بارئها.

وفي مهجعنا كان هناك عدد كبير من الأخوة المعتقلين، بعضهم مصاب بكسور في الأيدي أو الأرجل، وبعضهم مصاب بجروح شديدة قاطعة في الرأس، وآخرون مصابون برضوض وجروح مختلفة. كان ممن أصيب مهندس زراعي من مدينة إدلب في الخامسة والأربعين من عمره، ناله من الجلادين عذاب شديد، ورغم سقوطه مصابًا بكسر في الحوض، لم يتوقف الزبانية عن ضربه ومنعوا زملاءه من حمله، فاضطر أن يزحف تحت الضرب والعذاب حتى دخل المهجع.

وممن أصيب المعتقل أبو إبراهيم البالغ من العمر سبعة وستين عاما، ً فقد كسر ساعده وشج رأسه.

يوم 9 حزيران 1982

كان حر الصيف أشد علينا من برد الشتاء وأصعب، حيث تشتد حرارة شمس الظهيرة حتى تصلي الأرض نارًا ولهيبًا، ويغدو كل شيء ساخنًا الهواء والجدران والماء، ومع الباحات الواسعة المفروشة بالأسمنت، ينبعث اللهيب فيزيد في شدة الحر رغم انقضاء فترة الظهيرة، فيكون الحر آخر النهار أشد منه في وسطه، وفي جو المهاجع المحصور كنا نعاني من ذلك الحر اللاهب .. وكان الزحام الشديد في المهاجع يجعل الأمر مشكلة خطيرة فعلًا، هذا بالإضافة إلى أمور أخرى أيضًا مثل: عدم كفاية الغذاء من ناحية الكمية والنوعية، وفساد الهواء وتناثر غبار وأوبار البطانيات القديمة المهترئة، لذلك كان كل معتقل يعاني من مجموعة من الأمراض المختلفة، وكانت نتيجة تلك العوامل ظهور مرض الالتهاب الرئوي والسعال الشديد والبصاق المدمي أو الكدر، وقد أصيب بهذا المرض وبشكل قوي، بضعة عشر معتقلًا في مهجعنا .. وكنا نحاول التخفيف عن هؤلاء المرضى، فنخصهم ببعض الأغذية المناسبة التي تأتينا رغم قلتها.

وكان رأي الأخوة الأطباء المعتقلين، أن حالة الجميع من الناحية الصحية سيئة وتنذر بالخطر، وإضافة إلى أنهم يحتاجون إلى العلاجات الفعالة بشكل ضروري، فإنهم بحاجة ماسة إلى غذاء مناسب يرد إليهم شيئًا من القوة الجسمية، ويخفف من سوء التغذية وفقر الدم الذي يعانون منه، ولكن الإصابات القصبية والرئوية كانت منتشرة بين غالب المعتقلين في المهجع المزدوج (5 - 6) الذي يبلغ طوله حوالي ثلاثين مترًا والذي يعيش في ظلام حتى في النهار، إضافة إلى أن الحر في ذاك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت