فهرس الكتاب
اثنين من المعتقلين فحملاه إلي داخل المهجع والرجل السكين يغالب الموت، وبعد ساعة من الزمن فارق الحياة .. ولم يأبه فواز ولا الطغاة الصغار بالأمر.
وأما القتيل الشهيد فيدعى أبا محمد رجل حلبي في الثلاثين من عمره، وهو واحد من كثيرين استشهدوا تحت التعذيب بهذه الوسيلة أو بوسائل وطرق أخرى، وطبعًا لم يجر أي تحقيق أو سؤال للقتلة، بل كوفئوا على ما اقترفوه من جرائم.
28 حزيران 1982 رمضان
رمضان هذا العام أشد رمضان مر علينا في سجن تدمر وأقساه، ذلك أننا لم نكن نأبه بما أحاطنا من تضييق وعذاب، وما أصاب أجسامنا من أمراض وسوء تغذية، فجاء انقطاع الماء مكملًا لسلسلة العذاب، وقد كنا نعاني سابقًا من انقطاع الماء فترات طويلة تستمر أحيانًا أغلب اليوم، ولكن هذه المرة كان الانقطاع مستمرًا، فها قد مضت ثمانية أيام ولم تعد المياه (إلى مجاريها) ونحن لا نجد أقل الكفاية من الماء في هذا الحر اللاهب، خاصة وأننا صائمون، فعندما يحين موعد الإفطار لا نجد من الماء ما يروي ظمأ النهار الطويل، فكان ذلك بلاء رهيبًا ومحنة جديدة مضافة إلى بلاءات ومحن السجن.
يوم 7 تموز 1982
كم من أرواح طاهرة انتقلت إلى بارئها تشكو ظلم الطغاة وبغيهم، وإجرام وعدوان الزبانية الأنذال وفجورهم، ودمويتهم. كم يستطيب هؤلاء الزبانية أجواء العذاب والتقتيل والدم، وكم لهم من صولات فاجرة على المعتقلين الأبرياء في سجن تدمر، ولئن ظنوا أن بغيهم هذا يخفى على الناس فإنه لا يخفى على الله (الذي لا تخفى عليه خافية) وأنه سبحانه سيفضحهم ولو اختبئوا في عقر دارهم أو أعمق أوكارهم ..
البارحة وخلال عملية الموت الأسبوعي (الحلاقة كان الضرب والعذاب على أشده ولم يكد ينجو أي معتقل في مهجع، من الضرب والعذاب والإيذاء ولكن أحد الأخوة المعتقلين وهو شاب في الخامسة والعشرين من العمر طويل القامة أسمر الوجه، اشتط عليه الزبانية في عدوانهم المنكر، فما أدخل إلى المهجع إلا حملًا ووضع في ناحية من المهجع.
كان مشوه الوجه والدماء تنزف من وجهه، محطم الجسم منهكًا، وكأن هؤلاء الزبانية الأنذال وحوش غاب أو كلاب مسعورة لا عقل لهم ولا ضمير ولا مروءة ولا وجدان.