فهرس الكتاب
وممن أصيب يومها الشاب اللطيف الأديب ابن العشرين عامًا المعتقل (عبد الواحد) فقد عذبه الزبانية حتى أنهكوه وأدخل المهجع ذاهلًا وقد فقد ذاكرته جزئيًا وراح ينظر إلينا وإلى المهجع باستغراب وكأنه يرى ذلك المكان للمرة الأولى في حياته، وأخذ يسألنا: ليش أنا هون؟ ليش ما بروح على بيتنا؟ ولما لم نستطع أن نرد عليه الجواب بغير النظرات التائهة انخرط في البكاء وأخذت الدموع تسيل على خديه بغزارة.
يوم 15 تموز 1982
خلال التنفس الذي تم لنا اليوم بالبطانيات، كان يجلس قربي في طرف الباحة الأخ المعتقل"حسين"فوق بطانياته وقد أطرق رأسه وغض بصره وسكن نصف عار، كما كان كل منا جالسًا عن نفس الصورة تقريبًا، كانت هذه هي صورة التنفس الذي يتم بين فترة وأخرى، والذي لم يكن يخلو في الغالب من الضرب والعذاب.
كان المعتقل"حسين"مريضًا منذ مدة من الزمن وقد ارتفعت حرارته البارحة، فكان يهذي طوال الليل، وكان لمرضه يخاف البرد، لذلك لبس بعض الثياب الإضافية فكان يلبس بنطلونًا تحت بيجامته ومع أن الجو في الخارج كان ربيعيًا، إلا أن جو المهاجع البعيد عن أشعة الشمس كان أقرب إلى البرودة، لذلك كان عدد غير قليل من المعتقلين يلبسون أيضًا بعض الثياب الإضافية لأنه لم يخطر ببال أي واحد منا أن الجلاد"جهاد"سيتخذ ذلك ذريعة لتنفيذ غاية في نفسه وأمر بيته من قبل، خاصة وأن الجلاد"جهاد"كان قد قال لنا مرة: ولك لا تلبسو ثياب كثير حتى ما تقملوا. وقد عجبنا يومها من نظريته غير المنطقية.
قام هذا الجلاد المجرم إلى المعتقل حسين وصرخ فيه: ولك ليش لابس بنطلون .. وأخذ كرباجًا وانقض عليه يضربه ويهبد به ظهره العاري، والأخ المريض يئن ويصرخ ويرتجف تحت وقع الضربات حتى أنهك.
وبتوجيه هذا الجلاد أخذ الزبانية ينقضون على هذا المعتقل أو ذاك ويضربونه أقسى الضرب بحجة أنه يلبس ثيابًا إضافية ثم عادوا يضربون الأخ حسين ويعذبونه حتى اضطر إلى خلع ذاك البنطلون وإلقائه بعيدًا قدر ما يستطيع.
24 تموز 1982 (حفلة عذاب ليست الأخيرة في سجن تدمر)
اشتد الحال في سجن الموت وحمي وطيس العذاب حولنا، ولليوم الرابع على التوالي كان الزبانية يطوفون على المعتقلين في المهاجع المجاورة ويعذبونهم ونحن نسمع أصوات المعذبين وصرخاتهم الوالهة