فهرس الكتاب
وأمر آخر كان قد تكرر مرات ونحن في أشد الاستغراب والعجب منه هو اختفاء أصوات التكبير ... من قبل المعدمين ..
كان الذهول والحيرة يسيطران علينا، وكان الألم والقهر يعتصر قلوبنا، فلا ندري ماذا نقول ولا نفعل سوى التسليم إلى الله والدعاء له سبحانه والاستغاثة به.
وكان يحيرنا أكثر وأكثر موضوع انقطاع التكبير حتى نقل إلينا أحد المعتقلين الذين شاهدوا عمليات الإعدام، وكيف أن جلادي سجن تدمر قد أزعجهم وأقلق خاطرهم صوت تكبير الشهداء ساعة الإعدام، بل وأرعبهم بقوته وعظمته وبالإصرار الذي في، لذلك فإن الزبانية أخذوا منذ مدة، يضعون على أفواه المعدمين شريطًا لاصقًا (بلاستر) يسد أفواههم ويمنعهم من صراخ التكبير، وحدثنا عن مشاهدات رآها في ساحة الإعدام، وكيف أن بعض زبانية السجن كانوا ينقضون على الشهداء بعد أن تفارق أرواحهم أجسادهم فيمثلون بهم، وكيف أن حبل المشنقة كانت عبارة عن حبل رفيع (مرسه) من خيوط النايلون، وإنها كانت تؤدي في بعض الأحيان إلى قطع حنجرة الأخ المعدم. والذي كان يتعذب حينذاك فترة طويلة، هو الذي يزفر من حنجرته المقطوعة ..
تتالت أفواج الشهداء المعدمين في الباحة الخامسة في سجن تدمر وكأن الطغاة المجرمين يسابقون الزمن ليقضوا على أكبر عدد من المعتقلين (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) .
7آب 1982 هدوء معتقل
من ذا الذي يغتر ويلمس الثعبان اللين الناعم الأملس وينسى ذلك السم القاتل في أنيابه فإنه ذو طبع غدار لا يتغير ولا يتبدل، لم يمض إلا وقت يسير على الانتهاء من إعدام فوج كبير من المعتقلين في خفاء سجن تدمر حتى شعرنا أن الزبانية يريدون أن يغطوا على قضية الإعدام وعلى غيرها، فهاهم يبدون تساهلًا ولينا، ولكن هيهات فإن اليد الملوثة بالدم البريء لن تغسلها مياه الدنيا.
وفيما تلا ذلك من أيام كنا نشعر من معاملة الزبانية أن في الجو شيئًا، وأن يد الله تعمل في الخفاء .. فأكرم بموعود الله ..
جاء الزبانية اليوم لإخراجنا للتنفس وفتح الرقيب الباب وقال: تفضلوا تنفس، إنها كلمة ما شبهناها إلا بالكلمة التي قالها عمر قبل إسلامه لزوجة المؤمن المهاجر عبد الله بن جحش حينما جابهته بإيمانها القوي غير ملتفتة إلى جبروته وعنجهيته .. فقال لها برقة (صحبتكم السلامة) ولكن. إنها عناية الله وإنها قدرته التي تذل الجبابرة وتقصم ظهور الأكاسرة والقياصرة.
11 آب 1982 المرضى