فهرس الكتاب
(الشرّاقة) ، ولا يوجد فيها مرحاض ولاصنبور ماء إنما يخرج المعتقلون كل يوم مرتين أو ثلاثة فقط لقضاء الحاجة، وجلب المياه، وينالون حظهم من الضرب والتعذيب والتحقير. أما محتويات الزنزانة فهي ثلاث بطانيات مع صحنين بلاستيك يستخدمان للطعام والماء وربما لقضاء الحاجة أيضا، كما حصل مع البعض.
الساعات تمر ببطىء متثاقل، تراودني فيها الكثير من الأمور المرعبة، وكلما سمعت صوتا أو حركة تدل على فتح إحدى الزنزانات المجاورة، سيطر عليّ الرعب، وتسارعت دقات القلب والتنفس، وسمعت قرقرة الأمعاء، وربما شعرت بالحاجة إلى للخروج إلي بيت الخلاء (ولكن لم أجرؤ على طلب ذلك منهم) وتوجهت إلى الله بالدعاء: أن يردّ عني كيد الظالمين وأذاهم، وتسلحت بسور القرآن التي أحفظها، أرددها وأعيدها طوال الوقت. لقد أنهكني التعب والجوع، لأنني لم أتناول طعاما قط .. الساعة الآن تقترب من الثانية بعد الظهر، عندما بدأ الجلادون بتوزيع الطعام للمعتقلين، وكنت من بعيد أسمع أصواتهم يسألون نزلاء الزنازين المجاورة عن عددهم، فيجيبونهم (خمسة وخمسون، سبعة وعشرون وهكذا) فعلمت بوجود الزنزانات الجماعية في هذا المكان اللعين، وعرفت أنه يضم عددا كبيرا من المعتقلين، فسألت الله الفرج للجميع.
وصل الجلادون للزنازين الانفرادية، وباشروا توزيع الطعام على نزلائها، حتى وصلوا إلى زنزانتي وطلبوا مني أن أخرج لهم الصحون، فوضعوا فيها الطعام، وأعطوني رغيفين من الخبز، ثم انصرفوا فأكلت وحمدت الله على كل حال، وسألته السلامة والعافية، وأن يلهمني الصبر والثبات في محنتي. نظرت إلى جدران الزنزانة فوجدت عبارة كتب صاحبها فيها: القبلة لهذا الاتجاه فسررت بهما أي سرور، وعدت أتذكر محنتي والتحقيق وما يعده لي هذا المجرم من شباك وخداع ليوقعني فيها، فعزمت على الاستمرار بنفس الاعترافات السابقة، دون زيادة أو نقصان، والخير فيما اختاره الله.
بعد الطعام بفترة قصيرة أخرجوني لقضاء الحاجة فتوضأت وصليت الظهر والعصر، ودعوت الله بما تيسر لي من الدعاء، وقرأت بعض السور التي أحفظها ... وفي المساء، فتح أحد الحراس الشراقة، وسألني عن اسمي، فقد كان يحمل بيده ورقة صغيرة كتب عليها اسمي، فنادى السجان المناوب (وهو ضابط صف) فجاءه بمفتاح، وفتح باب الزنزانة، فخرجت منها، وهنا لا أستطيع وصف مشاعري ... لقد سيطر علي الرعب، واضطربت، فطلبت منهم أن يسمحوا لي بدخول دورة المياه فرفضوا، ووضعوا العصابة على عيني، وأمسكني أحدهم من رقبتي، وسار بي حتى وصلنا إلى الدرج فأخذ يقول لي: (اصعد) كلما وصلنا إلى درجة جديدة، حتى وصلنا إلى غرفة المحقق.
أدخلني السجان وانصرف ... وها أنا ذا أقف أمام ذلك اللعين الذي أصبح صوته المنكر معروفًا لديّ (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) ، أعاد علي كلامه السابق: فسألته: وبماذا تريد مني أن