فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 711

عدت إلى الزنزانة وقد أرهقني التعذيب، ولكن ما أزال أتمالك قواي العقلية، فرحت أفكر بحصيلة ذلك اليوم، فحمدت الله الذي ألهمني الثبات، فلم أتكلم بأي كلمة تكون ممسكًا أو طرف خيط لها ما بعدها ورددت ما أحفظه من كتاب الله، والتجأت إليه بالدعاء راجيًا إياه أن يكف عني كيدهم وظلمهم، ويعينني على محنتي، ويرزقني الصبر والثبات وهكذا أعانني الله على قضاء تلك الليلة.

بزغت شمس يوم جديد بعيدًا عنا في العالم الخارجي ... أحضر الجلادون طعام الإفطار وكان قليلًا من الحلاوة مع وقطعة جبن مثلثة (لافاشكيري) مع كمية من الشاي، بعد الإفطار طلبوا مني الخروج لبيت الخلاء، ليأتي بعدها دور التحقيق. وفتحت زنزانتي، وحضر شخص يحمل الغمامة (والأصفاد) وكالعادة، وضعت الغمامة مع القيود، وساقوني إلى الطابق العلوي، بعدما نلت قسطا من الشتائم والإهانات والركل واللطم، وأسهل بها، مقارنة مع الذي واجهته في ذلك اليوم من تعذيب، ترك آثارًا لا تحصى على جميع أنحاء جسمي، وحفر آثارًا بذاكرتي بل وشخصيتي والتي ستبقى ملازمة لي مدى الحياة. إذ أدخلوني غرفة المحقق الذي بادرني بالسؤال: هل جاءك العقل الرحماني أم مازال الشيطان لابسك؟ فأجبته: لقد جاءني العقل الرحماني. قال لي: (احك لنا ماذا تعرف) قلت له: لا أعرف شيئًا. قال لي: إن تعترف نساعدك. أجبته: وبماذا أعترف؟ قال لي: سنسألك شيئًا آخر. فسألني: ماذا تعرف عن فلان؟ وما هي الأحاديث التي كان يتكلم بها بين الناس؟ وما هي الأحاديث التي فاتحك بها؟ ومتى التقيت به آخر مرة؟ وأين؟ ومن هم الأشخاص الذين يترددون عليه؟ وماذا تعرف عن انتماءاته الدينية والسياسية والاجتماعية؟ فأجبته: أعرف أنه إنسان عادي يسكن عندنا بالحي، وجميع أهل الحي عندنا يعرفون بعضهم بعضًا بحكم الجوار، وسمعته طيبة بين الناس، وأما الأحاديث التي كان يفاتح بها الناس، فإنه كان يحثهم على الصلاة دائما. فلم تعجبه الإجابة، كنت أعرف مقصده تمامًا، فهو يريد مني أن أقول: إن صاحبي من الإخوان المسلمين، ليقول لي: وكيف عرفت ذلك؟ وإذن أنت منهم؟ عند ذلك يدخل التحقيق مرحلة جديدة، لأنهم عثروا (على طرف خيط) ولكن الله خيب آمالهم.

طلب من زبانيته أن يأخذوني للتعذيب، وقال لهم بالحرف الواحد: خذوه اسلخوه لهذا (ال ع ر ص) . هنا ساقني الجلادون وجروني على الأرض ونزعوا مني ملابسي، وأعادوا وضع القيود بيدي، ثم انهالوا عليَّ ضربًا بالكبلات الكهربائية كيفما اتفق وعلى جميع أنحاء جسمي من قمة رأسي حتى أخمص قدمي فأخذت أصرخ وأستغيث قالوا لي: (بدك تعترف يا .... ) فقلت لهم سأعترف بكل شيء .. سحبوني لغرفة المحقق بعد أن أصبحت عاجزًا عن الوقوف والمشي، سألني ما تقول الآن؟ فأجبته: كما تريد، اكتب ما تشاء وأنا على استعداد لأوقع. فقال: لا أريد منك شيئا سوى أن تقول لي ماذا تعرف، فنحن لا نتهمك بأي تهمة، فنحن نعرف الذين ضربوا وقتلوا وفعلوا، ولكننا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت