فهرس الكتاب
ظننت أنهم سيخلون سبيلي عما قريب، فلاشيء يستدعي الاعتقال. وقّعت على محضر التحقيق، وأعادوني إلى الزنزانة.
من الأحداث الغريبة التي مازلت أذكرها أثناء وجودي بالزنزانة الانفرادية بعد أن نلت قسطًا وافياَ من التعذيب أصبت بعدم القدرة على التركيز فقد نمت ذات يوم فترة قصيرة وعندما استيقظت ظننت أن الوقت قد صار متأخرًا أي قرب منتصف الليل وبالطبع فإن المرء لا يستطيع أن يميز الليل من النهار أثناء وجوده في أقباء المخابرات فجميع فروعها تتصف بنفس التصميم فالسجن يكون في الطابق السفلي تحت الأرض وأما بقية الطوابق فهي عبارة عن غرف ومكاتب للضباط وباقي الموظفين العاملين بالفرع. بالتالي فإن نزلاء تلك الكهوف المظلمة لا يختلفون عن سكان القبور.
بعد استيقاظي تيممت وصليت الظهر والعصر والمغرب والعشاء، عندها بدأ الجلادون بتوزيع طعام الغداء فعرفت عندها أن الوقت ظهر هكذا كنت أشعر أن الساعات تمر ببطء شديد حتى يخيل إلي أن الساعة تعادل نهارًا كاملًا.
في الزنزانة الجماعية
بعد ذلك أخرجوني من الانفرادية إلى إحدى الزنزانات الجماعية وهي عبارة عن غرفة مساحتها 61 مترًا تقريبًا ويحتجز بها حوالي 25 سجينًا من مختلف الأعمار ومختلف الفئات السياسية، وإن كان أكثرهم من الإسلاميين. لا تحوي صنابير ماء أو مراحيض، إنما كنا نعامل بنفس الطريقة الانفرادية، فكانوا يخرجوننا مرتين أو ثلاثًا لقضاء الحاجة. لقد فاحت منا الروائح الكريهة المتعفنة، لأننا لم نستحم طوال هذه المدة، ولم نعرف النظافة، ولا أشعة الشمس أيضا. لقد اغتنمت مرة فرصة خروجنا لدورات المياه، فخلعت ملابسي، وصببت الماء البارد فوق جسمي، وعندما خرجت، كان أحد الجلادين في انتظاري، فانهال علي ضربًا بالسلك الكهربائي الغليظ، موقعا بي أشد الألم. وقال لي: يا ( ... ) تريد التكلم مع السجناء الآخرين؟ لقد كان ذلك حجة تذرع بها لإهانتي وضربي وما أكثر تلك الفصول. قضيت مدة في العذاب بالزنزانة الجماعية، عانيت خلالها من الآلام بسبب تقيح الجروح والتهاباتها نتيجة الإهمال والقذارة، فكنت لا أستطيع النوم نتيجة الازدحام، حتى دعوت الله أن يفرج عني، سواء من المعتقل أو إلى سجن آخر، عسى أن يكون أريح من هذا المكان.
وأخيرًا نقلنا إلى سجن تدمر، لنتحسر على الأيام التي قضيناها بفرع المخابرات، رغم ما فيها من أهوال ومشقات، وأخذت أدعو الله بهذا الدعاء (اللهم الطف بنا فيما جرت به المقادير، اللهم لا