فهرس الكتاب
معتقلي سجن تدمر في عالم الآخرة .. عاد المجرمون من حيث أتوا، ووصلوا مطار المزّة بتمام الساعة الثانية عشرة والنصف، وانصرفت كل مجموعة إلى لوائها ... كان الرائد معين ناصيف بانتظار المجموعة التي خرجت من اللواء 40 ليشكرهم على جهودهم، وقال لهم: (أنتم قمتم بعمل بطولة بعمل رجولة) ثم أمرهم بكتمان العملية وقال (ما لازم تطلع هالعملية خارج منّا!؟ يعني لازم تظل سرية ومكتومة) وفي اليوم التالي وزعت السلطة مبلغ (200 ل. س) على كل عنصر من العناصر الذين شاركوا بالمجزرة."أ هـ."
تسرّب أخبار المجزرة: رغم محاولة المجرمين إخفاء تلك الجريمة، فقد تسربت أخبارها منذ الأيام الأولى لوقوعها، وانتشرت الإشاعات في جميع أنحاء البلاد، لأن أجواء الكبت تساعد كثيرًا على انتشار الإشاعات وتضخيمها (15) ..
سمعنا بالمجزرة بعد شهر واحد من حدوثها، عندما وصلنا إلى السجن، واجتمعنا باخوة التقوا أثناء وجودهم بفرع المخابرات ببعض المعتقلين بعد المجزرة، كما سمعنا مرة ثانية في شهر تشرين الأول من عام 80 عندما التقينا باخوة آخرين، وكان من بين الإشاعات التي سمعناها أن الشرطة العسكرية قد أخرجوا السجناء إلى الصحراء، وقاموا بقتلهم هناك، كما راجت إشاعة أخرى مفادها: أن السجناء حاولوا الفرار من السجن، فتصدى لهم حرس السجن، وقتلوا كثيرًا منهم. وإشاعة ثالثة تقول: إن السجناء قد تمردوا داخل السجن، فأدى ذلك لتدخل الجيش، وبالتالي قتل عدد كبير من السجناء.
بالتأكيد ... إن سكان مدينة تدمر قد علموا بتلك المجزرة، لأنه باستطاعة الناس الذين يسكنون قرب السجن أن يعلموا بما يجري داخل الأسوار، وهذا ما عرفناه أثناء وجودنا هناك، لأننا كنا نسمع أصوات الناس خارج السجن، كأصوات الأولاد أثناء اللعب، والزغاريد أثناء حفلات الزواج، إضافة لصياح الديكة، وبالتالي فإن المجاورين للسجن لا يصعب عليهم أن يعلموا بوقوع المجزرة في حينها، لسماعهم طلقات الأسلحة النارية، مع تفجير القنابل التي اختلطت مع صيحات الضحايا، وكذلك الأمر بالنسبة للقطع العسكرية المحيطة بالسجن، خاصة الوحدات الخاصة المكلفة بحماية السجن من الخارج، وهذا ما علمته بعد خروجي من السجن ..
ومهما يكن من أمر، فقد حُسم الشك باليقين، وتأكدت تلك الإشاعات بصورة لا تدع مجالًا لأي شك أو التباس، بعدما عرض التلفزيون الأردني اثنين من عناصر سرايا الدفاع عندها أيقن جميع الناس بوقوع المجزرة، مما أحدث ردود فعل عنيفة داخل سورية وخارجها، وقام العديد من وجهاء المدن بمقابلة المجرم حافظ أسد الذي أجابهم كعادته بطريقة ملتوية (كباطنيته) فهو لم يفند تلك الأخبار ولم يؤكدها، واكتفى بالقول:"لقد شكلنا محاكم ميدانية لتبثّ في أمر المعتقلين في تدمر."