فهرس الكتاب
واحتجّت العديد من المنظمات الإقليمية والدولية على تلك المجزرة، مما أربك النظام، فما كان من المخابرات النصيرية إلا أن دبّرت عملية اختطاف للسفير الأردني بلبنان في تلك الأثناء، ولكن أُرغم النظام النصيري على إطلاق سراحه نتيجة ردود الأفعال والضغوط التي تعرّض لها.
وكان لتسرّب أخبار المجزرة أسوأ الأثر على ذوي المعتقلين الذين سيطر عليهم القلق على مصير أبنائهم، وخاصة الذين اعتقلوا قبل المجزرة (16) ، وهذا ما مكّن أزلام النظام من ابتزاز المزيد من الأموال من أولئك المساكين (راجع فصل الزيارات بسجن تدمر) إذ اتبع المجرمون طريقة في غاية الخبث والخسّة، لأنهم لم يفاتحوا أحدًا من ذوي المعتقلين بمصير أبنائهم حتى ساعة كتابة هذه السطور (نهاية عام 1991) وما زال أولئك المساكين يعيشون بقلق دائم مشوب ببعض الأمل، وينتقلون من مدينة لأخرى، ويدفعون الرشاوى لأزلام النظام الذين يمنونهم بالوعود المعسولة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
آثار المجزرة: بعد المجزرة قام جهاز السجن بإزالة آثارها، فنقلت جثث الضحايا بالسيارات العسكرية، وتم دفنهم بصحراء تدمر بمقابر جماعية، ويقال بأنهم دفنوا بعض الأشخاص الذين ما زالوا على قيد الحياة، كما قاموا بإزالة آثار الدماء من باحات وزنازين السجن، وباشرت ورشات الدهان والبناء بترميم الجدران وطلائها، وعاد سجن تدمر لاستقبال المعتقلين بعد أقل من ثلاثة أسابيع من المجزرة وعندما دخلنا السجن (بشهر تموز) كانت ورشات الدهان والترميم تواصل عملها، ورغم جميع محاولات طمس آثار المجزرة، فقد بقيت آثارها ظاهرة على بعض الجدران، وهذه أمثلة على ذلك ..
ففي المهجع 19 من الباحة الرابعة بقيت بعض بقع الدم على الجدران، إضافة لقطعة من فروة الرأس التي التصقت بالسقف، نتيجة لإلقاء القنابل اليدوية على السجناء، وكذلك الأمر في المهجع 18 في نفس الباحة، فهو يحتوي على بقع دم على جدرانه إضافة لبعض الحفر نتيجة لإطلاق النار، أما في المهجع الرابع في الساحة الأولى فقد تمكّن بعض السجناء من الاختباء داخل المهجع في دورات المياه القريبة من الباب فتبعهم عدد من المجرمين وأجهزوا عليهم، وبعد المجزرة وصلت أولى الدفعات للمهجع المذكور فلاحظوا انسدادًا بدورات المياه فحاولوا فتحها دون جدوى فقام أحد المعتقلين بإدخال يده لإزالة الانسداد فحصل على عدد كبير من الخراطيش الفارغة.