فهرس الكتاب
لابد لنا قبل الحديث عن إرسالنا لسجن تدمر، وكيف قضينا تلك الأيام، من لحظة دخولنا وحتى ساعة خروجنا، من تقديم لمحة موجزة عنه، نصف فيها ذلك السجن، ليتمكن القارئ من تصوره، واستيعاب الأحداث، والأماكن التي وقعت فيها تلك الأحداث.
دخلنا سجن تدمر في شهر تموز من عام 1980 وخرجنا منه بعد سنوات عجاف مريرة مرارة الموت والعلقم، وكنا مغمضي الأعين عند دخولنا وخروجنا، لذلك لم نر شيئًا من معالم السجن الخارجية، أما معالمه الداخلية، فإنني أعلمها بكل تفاصيلها، لأننا تنقلنا خلال فترة وجودنا هناك بين مختلف الباحات، كما قمنا بأعمال السخرة، كتوزيع الطعام والماء والتنظيفات، خلال فترة طويلة من وجودنا فيه، مما أتاح لنا معرف معالم السجن الداخلية بكل تفاصيلها.
المواصفات: يتألف سجن تدمر العسكري من حوالي 40 زنزانة جماعية، موزعة على ست باحات، مفصولة عن بعضها البعض بفتحات ضيقة نسبيًا، لا تسمح بمرور أكثر من شخص واحد، وهذه الفتحات يمكن إغلاقها، لأنها تحوي أبوابًا حديدية وأقفالًا، وذلك ليتم فصل الباحات عن بعضها البعض، وفتحة الباب محاطة بإطار حديدي سميك ذي حواف حادة نسبيًا، وأما الجهة السفلى من الباب، فتحتوي على حافة إسمنتية ترتفع عن الأرض 30 إلى 40 سم لعرقلة اندفاع السجناء إلى الباحة المجاورة عند حدوث أي تمرد بالسجن، وعادة يقف الجلادون وبأيديهم السياط عند فتحة الباب من الداخل والخارج، ليستقبلوا السجناء الداخلين والخارجين، ويتجمع السجناء أمام تلك الأبواب، بسبب هذه العوائق، وكثيرًا ما يحصل عند الحمام والحلاقة هذا الاختناق والتجمّع البشري للسجناء، فتنهال السياط متسارعة لإيقاع أكبر وأكثر كم من العذاب والآلام بهم.
تبدأ هذه الباحات بباحة الإدارة، وتسمى باحة القلم، وتقع عند مدخل السجن في الجهة الشرقية، وهي تضم عددًا من الأشجار والمكاتب، وتحوي في قسمها الداخلي المهجع رقم (1) الذي يضم عددًا من السجناء القضائيين، أي السجناء غير السياسيين من العسكريين، وهؤلاء يقومون بأعمال الخدمة، كتوزيع الطعام، والتنظيفات العامة، والحلاقة للمساجين، ويسمون بالبلدية، لأنهم يقومون بأعمال البلدية.
الباحة الأولى: وتأتي بعد باحة القلم، ويطلق عليها السجناء اسم باحة التعذيب، أو باحة الاستقبال، ويفصلها عن باحة الإدارة باب حديدي بمغلاق، وتضم أربعة مهاجع مرقمة بالتسلسل 2،3، 4 بالإضافة إلى المهجع المزدوج رقم (5، 6) وأرضها مفروشة بالإسفلت المتآكل، لتعاقب المساجين والزمان، إذ تحتوي الكثير من الحفر، وتجري فيها حفلات الاستقبال البشعة للقادمين