فهرس الكتاب
القانون الهمجي، والتي أطلق عليها اسم المحاكم الميدانية (راجع فصل محاكم التفتيش) . وبدأت فروع المخابرات في جميع المحافظات بإرسال المعتقلين إلى سجن تدمر الجهنمي، بعد إزالة آثار المجزرة.
إن العادة المتبعة في هذا المجال، أن تقوم المخابرات العسكرية بإرسال معتقليها إلى تدمر مباشرة، ماعدا بعض الاستثناءات، حيث يرسلون المعتقلين إلى دمشق، ومن ثم إلى تدمر، أما المخابرات العامة (أمن الدولة) فجميع فروعها في مختلف المحافظات ترسل المعتقلين إلى سجن (كفر سوسة) بدمشق ليتم إعادة ضبط الاعترافات، ومن هناك يرسل السجناء إلى تدمر، وأما الشعبة السياسية، فإنها تحول معتقليها إلى دمشق، ومن هناك يتم تحويلهم إلى سجن تدمر أو المزة الرهيبين، وقد كان عدد معتقلي هذه الشعبة قليلا مقارنة بشعب المخابرات الأخرى، وما أنشئ من أجهزة أخطبوطية همجية أخرى. لقد كنت واحد من الذين قدر عليهم أن يدخلوا ذلك السجن المخيف بعد فترة قصيرة فقط من المجزرة الرهيبة، فكيف كان ذلك؟.
الخروج من فرع المخابرات: هنالك حلَّ رمضان شهر الرحمة والبركة، فاستبشر المعتقلون بقدومه خيرًا، وتفاءلنا باقتراب الفرج، كنا نظن أن السلطة قد تقوم بإخلاء سبيل المعتقلين الأبرياء الذين لم يثبت التحقيق أية تهمة تستحق الذكر عليهم وهؤلاء يمثلون السواد الأعظم من المعتقلين أو الإفراج عن بعضهم، وكان أكثرنا يحسن الظن في أولئك الوحوش الخسيسة والجرذان المذعورة، لكن سرعان ما خابت الظنون، وتبددت الأحلام، وحدث ما لم يكن بالحسبان، وعرفنا بُعد الشقة ما بين الآدمية والوحشية.
حضر مدير السجن مع بعض الجلادين ذات ليلة، حاملًا معه قائمة، فيها بعض الأسماء، فظن أكثرنا في بداية الأمر، أنه إخلاء سبيل، إلا أن الوقت كان متأخرًا (حوالي الساعة الحادية عشرة ليلًا) ، كنا نصلي صلاة التراويح، وكان اسمي موجودًا في تلك القائمة المشؤومة وطلب منا الجلاوزة أن نجمع أغراضنا، وأن نهيئ أنفسنا، ثم أخرجنا من الزنازين، وتم تجميعنا في إحدى الصالات، وجاء الجلادون بالقيود الحديدية والسلاسل والغمامات، هنالك أصبنا بالانقباض، وسيطر علينا الخوف، وتبددت الآمال، وعرفنا أنهم يريدون نقلنا إلى سجن آخر، أو ربما إلى إحدى محاكم التفتيش، كما كانوا يرددون بتلك الأثناء، لأن اللغط حولها قد زاد في تلك الأيام المشؤومة من تاريخ بلدنا المنكوب. وقام الجلادون بوضع الغمامات على أعيننا، ووضعت القيود الحديدية في الأيدي، وربطت بالسلاسل، حتى صار الجميع كتلة واحدة، فكل واحد منا مقيد الأيدي، ومربوط بالسلاسل إلى الذي يليه وهكذا.