فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 711

أجلسنا على الأرض، وبدأ الجلادون ينهالون علينا بالسياط، فرحنا نصرخ ونستغيث ولا من مغيث إلا الله الذي يعلم السر وأخفى. كم تساءلت في تلكم الظروف الرهيبة: هل يعلم أحد بأحوالنا وما نقاسيه ونتحمله؟ الله أعلم. لقد مارس الجلادون إطفاء السجاير في وجوهنا ورقابنا ورؤوسنا وراح آخرون يبصقون علينا حتى امتلأت وجوهنا بالبصاق وآخرون راحوا يرفسوننا بأرجلهم على صدورنا وظهورنا، بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فوضعوا نعالهم فوق رؤوسنا ناهيك عن الشتائم والألفاظ المنحطة والحقيرة التي يعف اللسان عن ذكرها.

قضينا وقتًا عصيبًا على هذه الحالة، قاسينا خلالها من الإيذاء والقهر والإهانة ما لا يعلمه إلا الله، وما يعجز الإنسان عن وصفه، لأنني أجد نفسي عاجزا عن وصف مشاعرنا في تلك الأثناء، فهذا أمر لا يعلمه ولا يدركه إلا من عايش تلك الحالات بين أيدي الظالمين، وبعدها، طلب منا الزبانية الوقوف، لكن أنى لنا القدرة على ذلك بعد أن أخذ الإعياء منا والإنهاك كل ما أخذ؟! لقد تيبست مفاصلنا من الجلوس الطويل على الأرض، وأصيبت أطرافنا السفلية بالخدر والنمل، وسيطر علينا الخوف والهلع، فلم نعد نفكر بالآلام والهموم، وكنا في حالة انهيار شامل.

راح الزبانية يخرجوننا من القبو الأرضي، وطلبوا منا تسلق الدرج، وكثير منّا وقع على الأرض بسبب عصب العيون والإنهاك والإرباك الناشئ عن الرعب وساعدنا الجلادون على صعود الدرج، لينتهوا من المهمة بأسرع وقت.

أدخلنا بعدها سيارة باص أعدت لهذه المهمة، فسترت جميع النوافذ بالورق، لئلا يرانا أحد من الخارج أثناء ترحيلنا، جلسنا في مقاعد محددة، وأحاط الجلادون بنا من الأمام والخلف، وطلبوا منا حني رؤوسنا للأسفل، وكل من حاول رفع رأسه كانت السياط تنهال عليه وتلسعه كالجمر الحارق. انطلقت بنا قافلة العذاب، ورافقتنا أعداد أخرى من السيارات التي اكتظت بعناصر المخابرات المدججين بالسلاح خوفًا على صيدهم الثمين ... فكرت ... ودارت في مخيلتي الكثير من الأفكار والصور والتساؤلات: إلى أين نحن ذاهبون؟! طبعا إلى سجن آخر، أو إلى محاكم التفتيش العصرية التي تتناسب مع الحقد الطائفي الدفين، وإذا كان الأمر كذلك، فما هو الجرم الذي اقترفته حتى أجد هذه الوحشية، ولأدخل السجن، أو حتى لإرسالي إلى إحدى محاكمهم؟!

امتد الوقت وتطاول، والسيارة تنهب الطريق مسرعة، عندها علمت أن الرحلة طويلة، فسيطر علي الخوف أكثر فأكثر، ورافقتني أشباح للموت والكرب كثيرة ... كنا نسمع أنهم يريدون تجميع الإخوان المسلمين في سجن تدمر، ولطالما صرح رفعت أسد النصيري بأنه سيخضر بادية الشام بأيديهم، فذلك أنفع من وجودهم في المجتمع، لأن عزلهم ضروري. فأخذت أتساءل: ما علاقتي بالإخوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت