فهرس الكتاب
المسلمين لأذهب إلى سجن تدمر؟ هل كتب المحققون في إفادتي أشياء أخرى لم أعترف بها؟ هل لفقوا لي تهمة ما؟ وهل .. هل ... . وهل .. ؟.
كنت أمنّي نفسي أثناء وجودي بفرع المخابرات، بأن الكثير من أقاربي يعرفون بعض رموز النظام والمحسوبين عليه، ولعل أحدهم يتدخل لي عندهم، فيتمكن من إخلاء سبيلي بطريقة أو بأخرى، ولكن ذلك لم يحصل، هاأنذا في طريقي إلى السجن أو إلى المحكمة .. ورحت أتساءل ثانية وبمرارة: لماذا يحدث ذلك؟ هل تخلى عني أصحابي وأقاربي؟ هل يعلم أحد بحالي؟ هل صرت منسيا في هذه الدنيا فلا أحد يذكرني؟ أم تراهم (أي أقاربي) لا يتجرءون أن يفعلوا ذلك؟ هل تدخل بعضهم وحاول مساعدتي ففشل في إقناع الجلادين ببراءتي، بل أقنعهم المجرمون بأني شخص خطير وفعلت كيت وكيت؟؟.
كيف تحلو لأقاربي الحياة هناك خارج أسوار السجون، وأنا هنا أعاني ما أعاني بعيدًا عنهم؟؟ هل كذا؟ كيف كذا؟ لماذا كذا؟!! وأخيرًا قلت في نفسي: لقد انقطعت بنا كل أسباب الأرض، ولم يبق لنا إلا حبل السماء نعتصم به، وكفى بالله وكيلًا، وكفى بالله حسيبًا (وتوكل على الحي الذي لا يموت، وسبح بحمده، وكفى به بذنوب عباده خبيرًا) حسبنا الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون.
وبالطبع إن ضعف الإنسان يظهر عند الشدائد والنوائب، حيث تسيطر عليه وساوس الشيطان واليأس والقنوط، وربما ظن الإنسان بربه الظنون، كما ورد في القرآن الكريم: (وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا) . ومهما يكن من أمر فإن تلك المحنة كانت فوق طاقة التحمل البشري. (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) . لقد سيطر علي الخوف، وغمرني شعور بالرعب، لكني أسلمت أمري لله، ورحت أقرأ ما أحفظه من آيات القرآن الكريم، والأذكار، والأدعية سائلًا المولى سبحانه وتعالى السلامة والمغفرة، مستمدا منه العون والتأييد. وكم كنت أدعو الله بهذا الدعاء (اللهم يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف، اللهم إني لا أسألك رد القضاء بل أسألك اللطف فيه، اللهم الطف بنا فيما جرت به المقادير) نعم لقد سيطر علينا الخوف لأن كل ما حولنا كان مجهولًا ومخيفًا، وكننا نتعامل مع طلاسم ومعميات ومجاهيل، كباطنية ذلك النظام العفن المتفسخ، وهذه حالتنا طوال فترة سجننا ..
وبعد ساعات مريرة من الإرهاق في السفر، تعرضنا خلالها لشتى صنوف الإهانة والقهر والإيذاء، وصلنا إلى سجن تدمر، دون أن نرى شيئًا من الطريق أو من معالم ذلك السجن المخيف من الخارج.