فهرس الكتاب
طلبوا منا الاصطفاف بطابور منفرد والرؤوس مطأطئة نحو الأسفل، والعيون مغمضة، وكل منا يمسك بملابس الذي أمامه، وأدخلنا إلى إحدى باحات السجن، وهي الباحة الأولى التي سميت بباحة التعذيب أو باحة الاستقبال، ويتم تنظيم حفلات الاستقبال فيها للقادمين الجدد من الذين قدر عليهم أن يدخلوا ذلك المكان اللعين.
حفلة الاستقبال: من الأشياء التي ما أزال أذكرها منذ اللحظات الأولى لدخولنا ذلك السجن، بعض الكتابات الموجودة في القسم العلوي للجدران، وأكثرها من الشعارات المكتوبة على جدران مؤسسات الدولة في بلدنا المنكوب مثل (وحدة حرية اشتراكية، أمة عربية واحدة ... ) ، والذي لفت نظري، وبقي محفورا بذاكرتي، هو الآية الكريمة (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) فتعجبت من تلك المفارقة العجيبة، وتلك السماجة، بل وتلكم الوقاحة، فقلت في نفسي: هل يؤمن هؤلاء الأوباش بكتاب الله ليكتبوا آياته الكريمة على جدران هذا السجن اللعين؟ ومهما يكن من أمر، فنحن في نظرهم مجرمون، وما يقومون به من تعذيب وإيذاء وإهانة هي عدالتهم بعينها، لم ينقطع الضرب لحظة واحدة منذ نزولنا من السيارة، ولم تتوقف أصوات الجلادين وشتائمهم، فهم يستعملون أحط الألفاظ التي يعف اللسان عن ذكرها، وهذا هو شأن جميع الزبانية في ذلك النظام العفن والمهترئ، سواء أكانوا من الجرذان الصغار أو من الخنازير الكبار، وهذا ما شاهدناه وعرفناه قبل ذلك أثناء التحقيق وفي كل مكان وطئنا بأقدامنا في أقبيتهم ودهاليزهم ..
وعندما أدخلنا إلى باحة التعذيب أحضر الدولاب المطاطي، وشاهدت أحد عناصر (البلدية) يحمله ويرميه على الأرض بعنف، ليزيد من هلعنا، كما سمعت صوت أحد ضباط الصف يقول للعناصر (تصرف كيفيا) ، عندها طلبوا منا أن نخلع ثيابنا، وباشروا بتفتيشنا، ولم يكن عندنا من المتاع ما يستحق الذكر، اللهم إلا الملابس التي اعتقلنا بها، وكنت اشتريت منشفة صغيرة (وشحاطة) نايلون أثناء وجودي في فرع المخابرات، وهذا هو حال جميع السجناء معنا، فهم عزل من كل شيء، وهذه فرصة ثمينة لأولئك الوحوش أن نتعرى من ملابسنا، لتلسعنا سياطهم، ويمارسوا ساديتهم وانحرافهم الحاقد اللئيم ضدنا.
ثم جرجرونا بوضع قدمي المعتقل بعصا الفلقة، وهي عبارة عن عصا غليظة ربط طرفاها بوصلة من سلك كهربائي يلفونه عدة مرات حول القسم السفلي من الساقين، فتنحصر القدمان بشدة، دون أي إمكانية لسحبهما أو تحريكهما، ثم يقوم الجلاوزة برفع العصا، فترتفع الرجلان بدورهما، لينهال عليهما أربعة من الجلاوزة بالسياط، حتى تسيل منهما الدماء، وتتورم الأقدام، فيأمرهم المساعد بأنه يكفي، فيخرج المعتقل، ويوقف جانبًا أمام أحد الجدران، فيدفعه أحد الشرطة، بعد أن يمسكه من