فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 711

النقرة (القسم الخلفي من الرقبة) ثم يأتون بغيره، ويضعونه في الدولاب .... وهكذا، وأما الذين مازالوا ينتظرون دورهم، فالضرب ينهال عليهم باستمرار ودون انقطاع، يجلدون ظهورهم وأيديهم، وكذلك حال الذين أخرجوا من الدولاب، يتلقون ضربا إضافيًا أيضًا على ظهورهم وأيديهم ورؤوسهم، وإذا أصيب أحد المعتقلين بالإغماء، رشوا على وجهه الماء حتى يصحو، كما يرشون الماء فوق أقدام الأشخاص الذين أخرجوا من الدولاب. وقتها كنا في شهر رمضان الموافق لشهر تموز من عام 1980 حيث أصبت بالعطش الشديد، فطلبت من الشخص الذي يحمل دلو الماء أن يسقيني، فلم يلتفت لطلبي، إنما باشر برش الماء على قدمي وأقدام الأخوة الذين يقفون بجانبي.

استمر التعذيب على هذه الشاكلة حتى انتهى الزبانية منا جميعًا، ونال كل منا حظه من التعذيب، وكانت ساعات مريرة، ربما فاقت شدتها ساعات التحقيق الأولى عند بعض الإخوة (لأن بعض الذين كانوا معنا لم يتعرضوا أثناء التحقيق للتعذيب الذي شاهدوه هنا) هناك رحت أتساءل وما أكثر التساؤلات المحيرة في تلك الأثناء:

لماذا الضرب؟ ما الهدف منه؟ لماذا نتعرض للتعذيب هنا؟ ألا يكفينا ما شاهدناه وما تعرضنا له في فرع المخابرات أثناء التحقيق؟ ألم ننته من التحقيق؟ ماذا يريدون منا؟

وغير ذلك من التساؤلات المحيرة التي لا أجد لها جوابًا سوى أن هؤلاء الوحوش يعذبوننا بدافع حقدهم، قال الله تعالى (وما تخفي صدورهم أكبر) ، لقد كادت آثار التعذيب التي تعرضت لها أثناء التحقيق أن تتماثل للشفاء، ولكنني أجد نفسي الآن أعاني من آثار أخرى، إضافة للآثار السابقة التي أصيبت بالتقرح والنزف، مما جعلني أعاني من الجروح والقروح مدة عام كامل، بعد دخولي سجن تدمر، بسبب حفلات التعذيب اليومية، وسوء العناية الصحية، مما ترك آثارًا دائمة في أماكن مختلفة من جسدي بعد اندمالها، وأنا الآن أحمد الله تعالى الذي منّ عليّ بالنجاة من تلك المحنة، حيث أشعر بعزّة الإيمان، عندما أنظر إلى تلك الآثار الموجودة في الأماكن التي أستطيع رؤيتها، وحينما أطلع عليها أي أخ أقابله ويسألني عن تلك المحنة فأبادر لإطلاعه على تلك الآثار قبل أن أتكلم شيئًا، فلا حاجة لي إلى الشرح، فجراحي هذه تحكي محنة المعذبين في أقباء السجون النصيرية الرهيبة ... ومع ذلك فإنني أسأله تعالى أن يجعل ذلك كفارة لذنوبنا ورفعا لدرجاتنا في الدنيا والآخرة، وصدق الشاعر في تصويره:

وقروح جسمك وهي تحت سياطهم قسمات صبحٍ يتقيه الجاني

وأثناء حفلة الاستقبال مرت على مخيلتي أيام حياتي السابقة وكأنها فيلم سينمائي يختصر تلك السنوات الطوال بدقائق معدودة، وأخذت أتساءل: هل صحيح ما أتذكره الآن؟ هل صحيح أنه حصل معي كيت وكيت؟ لقد تذكرت في تلك الأثناء الذكريات الحلوة والذكريات المريرة وأكاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت