فهرس الكتاب
أكذب نفسي بأن شيئًا من ذلك لم يحصل، حينما أتساءل بمرارة أين كان ما أتذكره مما أنا فيه الآن؟ وأعود للتساؤل مرة أخرى وأكاد أكذب نفسي قائلًا: إنني لم أشاهد شيئًا في حياتي وإن حياتي كلها هي هذه الساعات الرهيبة التي أعيشها الآن وهذا التعذيب الذي أتعرض له ويصعد إلى مخيلتي قوله تعالى: (ويوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) .
وحينما أتذكر فصول التعذيب التي تعرضنا لها في تلك الأيام، واستعرض بعض الآيات الكريمة التي تصف حالة الكافرين يوم القيامة، يزداد إيماني أكثر فأكثر بكتاب الله عز وجل، إذ لا يمكن لأي إنسان، أن يصف تلك الأمور إلا الذي عانى تلك المحنة (التعذيب) (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون) ..
وأثناء حفلة الاستقبال، سمعت صوت أحد الجلادين (وقد عرفنا اسمه فيما بعد ويدعى نعيم حنا(21) يقول لنا: (غير لعبدكن العجل يا حقراء .. ) وكان الضرب بقوة ولؤم، وقضينا عدة ساعات قاسينا خلالها من التعذيب والقهر والإهانة ما لا يعلمه أحد إلا الله، فالإنسان يجد نفسه عاجزًا عن وصف تلك المشاعر والأحاسيس التي لا يعرفها إلا من تعرّض لها، ولله الأمر من قبل ومن بعد وإليه المشتكى.
وبعد انتهاء حفلة الاستقبال قاموا بوضعنا في صف منفرد، مطأطئي الرؤوس، مغمضي الأعين يمسك كل منا بتلابيب الذي أمامه، حانيًا رأسه على ظهره، وسرنا بطابور منفرد على هذه الحالة داخل السجن، حتى أوصلونا، إلى إحدى الزنزانات الفارغة، فأدخلونا فيها، وأغلقوا الباب وانصرفوا ... إن حالتنا كانت تدعو للأسى والحزن، ولو قدر لأحد من أهلينا أن يرانا لأجهش بالبكاء، فالأرجل متورمة ومليئة بالجروح، والأجساد مغطاة بالكدمات والقروح، والإنسان لا يسمع إلا أصوات الأنين والتأوّه والتوجع من شدة الألم، فأحدنا لا يقوى على الوقوف من شدة الألم، والإعياء أخذ منا كل مأخذ، وإذا غالب أحدنا نفسه، واستطاع الوقوف، فإنه سرعان ما يصاب بالدوار الشديد، فيسقط على الأرض ... كيف لا وقد قضينا مدة تزيد عن عشر ساعات في التعذيب والإهانة، منذ أن خرجنا من الزنزانة في فرع المخابرات حتى دخلنا زنزانة سجن تدمر.
عند ذلك توجه الجميع إلى الله بالدعاء، طالبين منه أن يفرج عنا ما نحن فيه، بعد أن خانتنا جميع أسباب الأرض.
لازمة سجن تدمر: كانت الساعة تقارب التاسعة صباحًا عندما جاء الجلادون يقودهم المساعد أول أحمد كسيبي (والذي لقبه السجناء فيما بعد بأبي جهل) فتح باب الزنزانة فاندفع أولئك الوحوش يلهبوننا بالسياط، فأصيب الجميع بالذهول .. ألم ننته من الضرب والتعذيب؟ بعدها قال المساعد