فهرس الكتاب
للشرطة: (يكفي) .. وأخذ يتكلم ليعطينا (لازمة السجن) أو بتعبير آخر (نظام السجن) فكان مما قاله لنا: أنتم الآن في سجن عسكري، كل شيء ممنوع هنا: الكلام ممنوع، فتح العينين ممنوع، النظر للشرطة ممنوع، السؤال ممنوع وهكذا ... وأردف يقول: أنتم خونة للوطن، ليس لكم أية حقوق هنا، وقد جئتم لتموتوا في هذا المكان بما اقترفته أيديكم، نحن، لم نأت بكم من الشارع، إنما جرائمكم هي التي أتت بكم إلى هذا المكان، ولا بد للعدالة أن تأخذ مجراها ... . إلى غير ذلك من الكلام الذي يدعو للسخرية ويثير الاشمئزاز والتقزز، ولم نكن نعلم: هل يقول ذلك الأحمق قناعته أو يتزلف لأسياده؟. بعد ذلك قام المساعد بتعيين أحد الإخوة رئيسًا للمهجع، وعلمه (لازمة السجن) ليرددها، وهي بالشكل التالي: كلما جاءت الشرطة للزنزانة (سواء أفتحوا الباب أم لم يفتحوه) على رئيس المهجع أن يقدم الصف قائلًا: (انتـ ... .. به- استـ ... .. عد- است ... .رح- است .. عد .. المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب) وعلى الجميع أن يقفوا بحالة الاستعداد العسكري، منفذي إيعازات رئيس المهجع، ومغمضي الأعين. وبعد ذلك طلبوا من جميع السجناء أن يديروا وجوههم نحو الجدران، وعندما ينصرف الجلادون، يكرر رئيس المهجع نفس اللازمة، ولكن يقول: المهجع انتهى من التفتيش حضرة الرقيب.
ثم قام المساعد بإحصائنا، وقدموا لكل فرد منا 3 بطانيات مع عازل، والعازل يستخدم بدل الفراش والبطانيات تستعمل كغطاء، وأما الوسادة فكنا نستعمل أحذيتنا، وهكذا بدأنا نعيش مرحلة جديدة مليئة بكل أشكال التعذيب والإهانة والذل، جعلتنا نترحم على الأيام التي قضيناها في فرع المخابرات رغم ما فيها من بلاء وعذاب .... لقد كنت متيقنًا بأن ما نعانيه في تلك الأيام السود سيسجل في صفحات التاريخ وستكتب به المؤلفات وتدبج به القصائد وسينقل للأجيال القادمة وهذا ما ذكرته لإخواني أكثر من مرة.
أول رمضان في سجن تدمر: دخلنا سجن تدمر خلال شهر رمضان من عام 1400هـ المصادف لشهر تموز من عام 1980، وقدر الله علينا أن نكون من الدفعات الأولى التي وصلت إلى السجن بعد المجزرة الكبرى، وكان عدد المعتقلين في ذلك الوقت قليلًا (وربما لا يتجاوز الـ 300 شخص) لكن الدفعات تتالت فيما بعد، حتى ارتفع العدد إلي 4000 معتقل في غضون ستة أشهر فقط ..
أما كيف قضينا تلك الأيام فربما وجد الإنسان نفسه عاجزًا عن وصفها بكل تفاصيلها، إنما سأذكر هنا ما أحفظه في ذاكرتي، رغم أن ذاكرة الإنسان قد تخونه في كثير من الأحيان، عندما يكون في ظروف طبيعية، فكيف بذاكرة الذين يعيشون تلك الظروف القاسية من التعذيب والإهانة والقهر،