فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 711

والتي يقصد منها تحطيم الإنسان نفسيًا وفكريًا وجسميًا، وقتل كل شيء فيه؟ لقد نظم أحد إخواننا قصيدة بتلك الظروف الحالكة، وكان مطلع القصيدة البيت التالي:

يا صفوة الأحبابِ والخلانِ عفوًا إذا استعصى عليّ بياني

لم أتمكن من حفظ تلك القصيدة، وإنما حفظت منها هذا البيت فقط ...

وبرامج الإيذاء والتعذيب في تلك الأيام كانت على أشدها، حيث يداهمنا الجلادون بعد منتصف الليل لتوزيع طعام السحور، فنستيقظ من نومنا عندما يدخل الزبانية إلى باحتنا، ويباشرون فتح أبواب الزنازين .. وكانت زنزانتنا هي الخامسة في الباحة، فيفتح المجرمون الباب فيقدم رئيس المهجع الصف (لازمة السجن) فيدفع الجلادون إلى الداخل وينهالون علينا بالضرب واللكم واللطم والرفس، عند ذلك لا يسمع الإنسان إلا أصواتًا لصراخ المعذبين التي اختلطت مع هبدات السياط وأصوات الشتم والسباب والصراخ من الجلادين الذين يكررون عبارات (افتح يديك -أغمض عينك .. ولك حقير .. وو ... ) .

وأخيرًا يصرخ رئيس الدورية، وهو غالبًا من ضباط الصف برتبة عريف أو رقيب: شرطة لبره .. لبره شرطة: (أي اخرجوا من المهجع) . فيخرج الجلادون من الزنزانة، ويغلق الباب، فيقدم رئيس المهجع الصف، لينتقل الزبانية بعد ذلك إلى الزنزانة المجاورة، حتى ينتهوا منها، فالتي بعدها ثم الأخرى، فالأخرى، وهكذا يفعلون بسائر الباحات. وبعد ذلك يبدأ المعتقلون بتناول الطعام، وأنى لنا أن نأكل بعد أن استولى علينا التعب والألم والخوف الذي أعجزنا عن تناول الطعام في الأيام الأولى، رغم ذلك، فإننا كنا نجبر أنفسنا على تناول لقيمات نتقوى بهما على تحمل ما نحن فيه من كرب، حتى يأذن لنا الله بالفرج .. وبعد أن ننتهي من تناول الطعام، كنا ننتظر أذان الفجر الذي كنا نسمعه، فيهيج في أنفسنا الذكريات والحنين لبيوت الله، فنقوم للصلاة، وكنا نصلي جماعة في الأيام الأولى فلم نكن نعرف نظام السجن القاضي بعقاب كل من يقدم على الصلاة.

الصلاة في سجن تدمر: كنا في الأيام الأولى نصلي جماعة، وذات يوم جلس أحد الحراس يتجسس علينا، فسمع أننا نصلي الصبح جماعة، لأن زنزانتنا كانت مقسومة إلى قسمين: يضم قسمها الأول، المهجع الذي ننام فيه، وأما القسم الثاني، فيضم مكان الخلاء وصنبور الماء، مع قطعة أرض صغيرة تستخدم لوضع القمامة وبقية الأغراض، ويوجد في سقف تلك القطعة فتحة (شرّاقة) والقسمان متصلان بفتحة تشبه الباب ولكن لا وجود له بها وبالتالي فإن الشخص الذي يجلس فوق الشراقة يمكنه سماع ما يدور بالمهجع من أحاديث، بل ويمكنه أن يشاهد قسمًا لا بأس به من الزنزانة ذاتها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت