فهرس الكتاب
جلس ذلك المجرم يومًا (وكان نصيريًا) فوق الشراقة يتجسس علينا ونحن لا نراه، لأننا لم ننتبه للأمر، وبعد أن أنهينا الصلاة، جلسنا نقرأ الأوراد والأذكار، ثم بدأ الإمام يدعو وكنا نؤمّن على دعائه، عند ذلك نبهنا أحد الإخوة وكان يجلس قرب (الشراقة) بأنه يشم رائحة تدخين، وهذا يعني أن أحد الزبانية يقف فوق الشرّاقة. سكت الجميع، فنادى ذلك المجرم رئيس المهجع بصوت كفحيح الأفاعي قائلًا: (ولك يا .... عاملين جامع هون) ثم طلب منه أن يحضر الأخ الذي صلّى إمامًا، فسأله (إنت اللي كنت تصلي إمام؟) فأجابه بالإيجاب، فشتمه بأقذع الألفاظ، وتابع قائلًا: بكره منت حاسب غير لأسحقكن يا كلاب يا حقراء يا ) فأخذنا ندعو الله و نسأله السلامة.
وفي اليوم التالي حوالي الساعة التاسعة، حضر الزبانية لباحتنا ومعهم الدولاب، وبأيديهم السياط، وجاءوا مباشرة لزنزانتنا بعد أن تجاوزوا الزنازين الأربع التي تقع عند مدخل الباحة، فتح الجلادون الباب، فقدم رئيس المهجع الصف كالعادة، فصرخ أحدهم: (لبره يا كلاب يا حقراء ... ) وخرج الجميع للباحة لتبدأ حفلة التعذيب ... فانهالوا علينا ضربًا بالسياط، ثم أحضروا رئيس المهجع، وطلبوا منه أن يدلهم على الأخ الذي كان إمامًا، فوضعوه في الدولاب، واستمروا بضربه حتى أصيب بالإغماء، فصبّوا عليه الماء، وأخرجوه من الدولاب، واستمروا بضربه على يديه وظهره حتى تعبوا منه، وكذلك فعلوا برئيس المهجع، أما البقية، فقد نالوا حظهم من التعذيب والإهانة بدرجات متفاوتة ومتقاربة، رغم أن آثار حفلة الاستقبال ما تزال موجودة على أجسادنا.
وانصرف الجلادون بعد إشباعنا إهانة وإيذاء وشتائم، وهكذا كان جزاء كل من يصلي بذلك السجن اللعين، أو يتجه إلى الله سبحانه كافرًا بالطاغوت .. بعد ذلك قرر الإخوة أن نصلي خلسة حتى لا يشعر بنا أحد، أما الأخ الذي صلّى بنا إمامًا فقد أصبح معروفًا لدى الجلادين الذين صاروا يخصونه بالإهانة والتعذيب في كل مناسبة، فراح يدعو الله أن يفرج عنه، فتقبّل الله دعاءه وتخلّص من التعذيب، فجاء الأوباش فسألوا عنه، فأخبرهم رئيس المهجع أنه خرج حيث لا ندري، فطالبوه أن يخرج لهم خليفته، حيث سأله المساعد أبو جهل بالحرف الواحد قائلًا: (من هو خليفته) فأجابهم رئيس المهجع: لا يوجد له خليفة، فانهال عليه الجلادون ضربًا، حتى اضطر لإخراج أحد المعتقلين بشكل عشوائي ليتخلص من التعذيب. فانهال الجلادون على ذلك الأخ ضربًا، فصار يصرخ ويستغيث وينفي التهمة الموجهة إليه!!!؟ بأنه لا يعرف الصلاة، وأنه لا يصلي، وبعد ذلك أوقفوه عند باب المهجع، وطلبوا من جميع السجناء أن يبصقوا على وجهه احترامًا له لأنه كان إمامًا.
وللصلاة في سجن تدمر قصة مؤلمة وطويلة، لقد كان الجلادون يسألون رؤساء المهاجع بكل مناسبة عن الأشخاص الذين يصلون، فيجيبهم رؤساء المهاجع بالنفي، فينهالون عليهم ضربًا ليعترفوا على الأخوة الذين يصلّون، وربما اضطر بعضهم تحت التعذيب إلى إخراج أحد السجناء، أو عدد منهم