فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 711

واستيقظنا في يوم من تلك الأيام ننتظر أن نبدأ البرنامج الذي اعتدنا عليه وتأقلمنا معه إلى حد كبير .. وبدأنا نضب بطانياتنا ونجمع العوازل من تحتها حين نادى علينا الشرطة من شراقة الباب فجأة وبشكل إيعاز:

الكل ضبوا لجوة ولا.

فسارعنا ونفذنا الأمر وتجمعنا كلنا في أقصى المهجع نستعيذ بالله من شر ما خلق! وإن هي إلا برهة حتى بلغتنا من الباحة أصوات وضجيج غير مألوف .. وأحسسنا وكأنما هناك حمولة من الخشب ترمى على الأرض .. والنوافذ عالية لانستطيع أن نطل منها .. وبيننا وبين الباب مسافة لم نجرؤ أن نغادر زاويتنا ونسترق النظر من شقوق فيه خشية أن يرانا الشرطة من الشراقة فوق المهجع فيعاقبونا بما نحن في غنى عنه.

لكن الجلبة استمرت .. وتتابع صوت ارتطام الخشب بأرض الباحة الإسمنتية .. ورأينا ظلال الشرطة على جدران المهجع تعبر من النوافذ العليا كالأشباح .. فشعرنا بقلق وانقباض .. وبدأنا نتوقع شر الإحتمالات .. ونحسب أنهم سيدخلون الآن ويطلقون علينا النار كلنا كما فعلوا قبل أقل من عام في نفس المكان. ولم يطل بنا الإنتظار كثيرًا .. فما هي إلا برهة حتى سمعنا أصوات التكبير تتعالى .. وسجناء ينادون أسماءهم ويقولون أخوكم فلان يوحد الله. ومن بين هؤلاء لا أزال أذكر اسم الأخ محمد ناصر البيك من حمص، الذي بلغتنا تكبيراته وعبارته الأخيرة يقول:

أخوكم محمد ناصر البيك يوحد الله.

فعرفه إخوة من مدينته في المهجع معنا. وأيقنا أنها عملية إعدامات تجري الآن. وأن مجموعة من السجناء يعلقون على المشانق بالفعل. فاحتبست أنفاسنا جميعًا .. واختنقت فينا العبرات .. وتجمدت على ألسنتنا العبارات .. ولم تنقض أكثر من عشر دقائق حتى خفتت الأصوات .. وسكنت الحركة .. وبدأت الأمور خارج المهجع تعود إلى طبيعتها بالتدريج .. لكن التفقد تأخر وألغي التنفس في ذلك اليوم .. وأحضر الشرطة الطعام من غير أن يشيروا إلى ذاك الذي حدث بشيء.

وأغلق الباب علينا بعد ذلك لتلفنا دوامة القلق والتساؤلات. فها نحن الآن أمام الموت وجهًا لوجه .. والإعدامات التي كنا نسمع عنها ونتخوف منها حدثت على بعد خطوات منا وحسب .. وإذا كان شهداء المجزرة الكبرى قبل عام قد قضوا نتيجة نزوة كما ظن البعض أو ثأر بعد محاولة اغتيال رأس النظام، فإن ما نراه الآن ونسمعه يجعلنا نحس أن الأمر منظم في الحقيقة ومقرر، وأن هناك برنامجًا لتصفية السجناء إذًا. ولم يعد مستبعدًا بعد الآن أن نقف أنفسنا هذا الموقف وتلتف حبال المشنقة على أعناقنا نحن بعد حين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت