فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 711

تساؤلات .. وتأويلات

وأخذت التساؤلات تغادر السرائر بالتدريج وترتسم على شفاهنا تباعًا، فتنتقل من فرد إلى آخر ومن مجموعة إلى غيرها .. وترسم معها معالم مختلف الناس الذين ضمتهم المحنة وجمعهم هذا المكان الرعيب. ورغم أن الحادثة هزتنا جميعًا إلا أن أكثر من اهتز حقيقة كان أولئك الذين لم يكونوا أهل انتماء بالأصل، وجرفتهم المصلحة أو الحماسة فشاركوا بعمل ما وألقي القبض عليهم واعتبروا في منزلة واحدة كالمنظمين والمسلحين .. ومن هؤلاء كان بضعة نفر من المهربين وتجار السلاح .. ممن لم يكونوا مهيئين نفسيًا لا للمحنة ولا للإعدام والموت! وانتشرت بناء على حال كل فئة تأويلات المتأولين وتحليلات المحللين .. فاجتمع رأي البعض على أن الإعدامات إنما تنفذ في المسلحين الذين شاركوا في عمليات حقيقية وأدينوا فيها .. وأما المنظمون من غيرهم فمثلهم كمثل تلاميذ المشايخ لا خطر منهم ولا تثريب عليهم! وذهب نفر إلى أن المسلحين أنفسهم قسمان: قسم تسلح ولكنه لم يَقْتُل أو يقاتل .. وهؤلاء أقرب للفئة السابقة إذًا. وفئة أخرى قاتلت وقَتَلت وثبت عليها العمل العسكري .. وهؤلاء هم الذين تنفذ فيهم الإعدامات وحسب.

وأحدثت هذه التقسيمات خلخلة غير منتظرة في الصفوف .. وظهرت بسبب هذه التخمينات مشادات وأخذ ورد .. ونادى العقلاء بأن الأمور بيد المولى سبحانه والأعمار مقدرة في علمه الأزلي لا تنقص ولا تزيد .. وقال الإخوة الذين أدينوا بالعمل العسكري بأن الشهادة شرف لكل مسلم .. فإذا كانت قد دنت فمرحبًا بها .. ولكننا هنا جميعًا في نظر النظام أعداء .. وهم لا يفرقون بيننا لا في عذاب ولا في إعدام.

وحل الشتاء!

ومضت الأيام وحل الشتاء .. شتاء الصحراء الذي لا يرحم .. ونحن في مهجعنا لا نملك إلا بطانياتنا البالية ذاتها، والنوافذ والشراقات فوقنا مفتوحة على حالها، ويا بؤس من بات ليلته تحتها .. ويا سوء حظ من تأفف من مطر السماء حتى ولو انصب عليه طوال الليل! ولذلك وبسبب هذه البرودة والرطوبة وسوء التغذية تفشت بيننا أمراض الزكام والروماتيزم والتهابات المفاصل .. ثم لم يلبث أن ظهر السل فينا بعد أقل من عام .. أو أنه كان قد ظهر بالفعل ولكننا لم نكتشفه إلا وقد استشرى وعم!

وهكذا عدنا إلى برنامج المعاناة نفسه .. أسرى جدران المهجع 26 نتقلب بين عذاب وعذاب .. وتفقد وتنفس .. وحلاقة وحمام .. ولكننا كنا نغالب ذلك كله بحفظ كتاب الله وتلاوة آياته ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت