فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 711

وسعنا الجهد. ولم يكن ذلك هينًا في هذا الجو العصيب، لكننا ثابرنا بحمد الله وتابعنا. ولم يكن فقه السجون قد تبلور لدينا في تلك الفترة بعد، فكان بعضنا يخاطر بالقيام للوضوء مع كل صلاة رغم أن التيمم كان مرخصًا لنا. وكان احتمال أن يكتشف الشرطة حركتنا في الليل خاصة معناه عذاب محقق في الصباح التالي ربما كلف المرء حياته! كذلك كنا نغتسل من الجنابة بالماء البارد مع برودة الجو رغم أن التيمم كان واردًا أيضًا، ونظن أنه لا حل لنا إلا بذاك. لكننا أخذنا من بعد نتتبع الرخص الشرعية ونخفف عن أنفسنا قدر المستطاع. ولم نعدم أن نجد بيننا من ظل يتشدد ويصر على الإغتسال وعلى الوضوء في كل مرة وعلى أداء الصلاة وقوفًا والمجاهرة بالصيام حينما منع في السنوات اللاحقة، برغم المخاطر واحتمالات الأذى له وللآخرين.

محكمة!

وذات يوم .. وكان قد مضى على حادث الإعدام بضعة أسابيع دخل علينا الشرطة وسألوا عن أسماء بعينها، ولم نكن قد عهدناهم ينادون أحدًا باسمه من قبل. لكن أيًا من هذه الأسماء لم يكن بيننا. وتكرر الأمر مرة بعد مرة .. فأحسسنا أن ثمة شيئًا مريبًا يدور .. حتى كان صبيحة يوم جديد، حينما دخل الحرس ونادوا مجموعة أسماء من مهجعنا هذه المرة وقادوهم معهم. وكانوا قرابة الخمسة عشر شخصًا كلهم من حمص.

ومضت حوالي خمس أو ست ساعات أحضر الشرطة خلالها الفطور والغداء معًا وأغلقوا الباب علينا من غير تفقد أو تنفس .. فلما عاد الإخوة وسألناهم أين كنتم قالوا في المحكمة. فتيقنا ساعتها أنها جد إذًا. وعلمنا منهم أن أحكامًا صدرت بالإعدام على أكثرهم. وسرعان ما وجدنا الإخوة المحكوم عليهم بالإعدام قد تغير حالهم .. وانصرفوا عن كل شؤون الدنيا انصرافًا تامًا .. وتوجهوا إلى الله سبحانه بكلياتهم يهيؤون أنفسهم للقاء رب العالمين حتى كأن أحدهم لم يكن من أهل هذه الدنيا أبدًا. ولم ينقض شهران بعدها حتى طُلِبَ هؤلاء الإخوة للإعدام .. فكانت أول كوكبة من أهل الجنان إن شاء الله نودعهم من مهجعنا .. سائلين الله تعالى أن ينتقم لهم ويتقبلهم ويجعلهم في أعلى عليين.

مرحبًا بلقاء الله

دخل الشرطة صبيحة ذلك اليوم المرير وقرؤوا أسماء المطلوبين فيما كانت إجراءات نصب المشانق وتهيئة مراسم الإعدام تتم في الباحة أمام مهجعنا مباشرة. وكانت مفاجأة لنا أن عددًا ممن تليت أسماؤهم كانوا قد خرجوا إلى المحكمة وقتها ولم يبلغونهم كالآخرين أنهم حكموا بالإعدام. فلما سمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت