فهرس الكتاب
الإخوة أسماءهم وأيقنوا المصير تراكضوا إلى الحمام فتوضؤوا ومدوا شيئًا هناك وصلوا عليه تخفيًا من الشرطة خشية علينا نحن لا على أنفسهم. وخرج الركب أكثر من عشرة كأنهم غير الذين عرفنا كل هذه الأيام .. مطمئني النفوس .. مشرقي القسمات .. مقبلين بكل جوارحهم على الله راضين بقضائه. واستطاع بعضنا أن يعانق عددًا منهم .. وخرج الآخرون حتى من غير كلمة وداع. لا زلت أذكر من أسماء تلك الدفعة الإخوة حسن الصغير، وعبد الغني الدباغ، وبسام كالو وكلهم من حمص. ولا زلت أذكر كأنه الساعة كيف أن الأخ بسام استيقظ صباح ذلك اليوم مبكرًا وقال لإخوة حوله: رأيت اليوم منامًا. سألوه: خيرًا إن شاء الله .. ماذا رأيت؟ قال: رأيت قول الله تعالى في القرآن الكريم (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) . ولم يلبث أن نودي للإعدام رحمه الله بعد ساعة أو أقل، فأحسسنا أن الله سبحانه حقق له منامه وتقبله وغفر له وأنزله الجنان إن شاء الله.
أرجوحة الشهداء
وأقفل الجلاوزة الباب .. وساقوا الإخوة أول الأمر إلى مهجع في أقصى الباحة يسمى"الورشة". وعلمنا من بعد أن سليمان الخطيب يأتي بنفسه ليتأكد من الأسماء والأشخاص ويتلو عليهم ديباجة الحكم، ويأتي معه أو يتبعه مدير السجن الذي كنا نحس بقدومه من صوت المساعد يقدمه بالازمة المعتادة قائلًا:
است رح .. استع د. الباحة جاهزة للتفتيش سيدي اللواء أو سيدي العقيد.
وبعد هذا الإجراء يبدأ الشرطة بسوق الإخوة إلى المشانق تباعًا. وعندما بدأ ذلك هرعت من فوري إلى شق صغير في باب مهجعنا فرأيت المشانق منصوبة على امتداد الباحة .. والإخوة الآن وقد باتوا على حافة الردى يكبرون بأعلى صوتهم ويهللون .. ويساق أحدهم بعد الآخر مغمض العينين مكبل اليدين إلى المشنقة التي انتصبت على قوائمها الثلاث .. يتدلى منها حبل كحبال الغسيل البلاستيكية .. يخالف في هذه المواصفات وتلك الوضعية أبسط الشروط التي يفترض أن تتوفر في مشنقة الإعدام المخصصة للمجرمين! ورغم ذلك يؤمر الأخ بالجثو أمام المشنقة دون أن يدري ماذا أمامه، وعن جانبيه اثنان من"البلدية"ينتظران الإيعاز من الشرطي الذي يقف في مقابل الأخ. فإذا أشار إليهما تناولا حبل المشنقة فطوقا به رقبة السجين .. ثم تأخرا إلى الوراء فأمسكا بقائمة المشنقة. ولا يلبث الشرطي أن يصدر الإيعاز الأخير .. فيشد"البلدية"الخشبة .. وتنتصب المشنقة .. فيرتفع الأخ في الهواء بلمحة عين .. ويشهق شهقته الأخيرة وتزهق روحه خلال لحظات