فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 711

فإذا بدت منه حركة تدل على احتمال استمرار الحياة فيه تقدم عنصرا"البلدية"ثانية فجذبا الأخ وتعلقا به حتى يشتد إطباق الحبل على رقبته إلى أبعد مدى.

ولا يلبث الطبيب يونس العلي أن يتقدم فيجس النبض، ويتأكد من الوفاة .. فتعاد المشنقة إلى وضعها، ويفك الحبل عن رقبة الشهيد .. ويرمي به القتلة جانبًا بدم بارد، فيما يعد الشرطة الأخ التالي للإعدام. حتى إذا اكتمل العدد ونفذت الجريمة وتكومت الجثث، دخلت الساحة شاحنة عسكرية، وتقدم"البلدية"فحملوا أجساد الإخوة واحدًا بعد الآخر وقذفوهم فيها .. لتمضي إلى حيث لا يعرف بمصيرهم أحد إلا الله. وفي هذه الدفعة قدرت أن أكثر من خمسين أخًا قضوا نحبهم .. نحتسبهم في عداد الشهداء الأبرار إن شاء الله.

العزاء

غادر الإخوة إلى لقاء الله، وبقينا نحن في كربتنا ووحشتنا تلفنا حالة من الكآبة خانقة، والناس وكأن على رؤوسهم الطير .. ليس لنا إلا العبرات الحرى نطلقها بصمت وألم .. والتضرع إلى الله نرسله خافتًا مرتعشًا مع الزفرات.

وغاص كل منا في خواطر شتى .. فهؤلاء الذين كنا نأكل معهم قبل ليلة خلت .. ونصلي وإياهم الفجر قبل برهة. هؤلاء الذين كنا وإياهم في سباق على حفظ كتاب الله .. نسمع منهم أو يسمعوا لنا. وربما كان واحدهم قد بات ليلته الأخيرة بجانبنا، أو أرسل آخر ابتسامة له من وجهه الطلق وغادر وتركنا. هؤلاء الذين نمت بيننا العلاقة عن غير سابق معرفة من قبل في أحلك الظروف وأقساها .. شهرين أو ثلاثة نتناوب على تلقي العذاب ومواجهة الهول معًا .. فكنا على قصر الأيام أكثر من إخوة وألصق من أشقاء. هؤلاء جميعًا خرجوا من بيننا ولن يعودوا أبدًا. وغادروا الدنيا ولن نلقاهم إلى يوم الدين.

وترتد الخواطر إلى ذواتنا سريعًا، ونبدأ نسترجع شريط حياتنا نحن الذين لا نزال أحياء. من طفولتنا البريئة .. إلى شبابنا الذي ما أن بدأ يزهر فينا حتى اقتطفته يد الظلمة من غير ما إنذار. ويتجه الحوار في ذواتنا إلى المستقبل الآتي .. وأي مستقبل ذاك والمشانق ها هي لم تُحَلَّ حبالها بعد! وتختلط فينا مشاعر الشفقة بالشوق .. واللوعة بالخوف .. والإحباط بالرجاء. ولا نجد في خاتمة المطاف ما نعزي به أنفسنا ونواسي جراحنا ونخفف من هول المصيبة علينا إلا الإلتجاء إلى الرحمن الرحيم، والرجاء بأن يكون ذلك في سبيله فيقبلنا في الآخرة ويعفو عنا.

مع كتاب الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت