فهرس الكتاب
وترانا نهرع من جديد إلى كتابه جل وعلا أنيسنا وبلسم جروحنا ننكب عليه ونلتجىء إليه. ولقد أكرمنا سبحانه بعد أسابيع لم تطل بأخ حافظ لكتاب الله قدم إلينا مع حوالي خمسة عشر أخًا من دمشق كلهم من جماعة مسجد زيد بن ثابت. والأخ الحافظ اسمه محمد صنوبر من بلدة جديدة الذيباني قرب دمشق. فكان سرورنا به أكبر من أن يوصف. وأقبلنا نتلقى منه السور والآيات ونحفظها. وكنت أنا والأخ هيثم عثمان برغم إصابته الشديدة نحفظ معًا .. ونراجع ما حفظنا باستمرار .. حتى بات كتاب الله شغلنا الشاغل. ومن شدة همتنا وعزيمتنا أذكر أنني بتوفيق الله حفظت سورة الأنعام كلها في أربعة أيام .. وكنت من قبل أن أعتقل أحفظ جزء عم وبعضًا من الجزء التاسع والعشرين وحسب. فلما رأينا الإعدامات وقدرنا أن المنية قد دنت أحببنا أن ننهي الحفظ فنلاقي به وجه ربنا. وفي عام 1982 أنهيت والأخ هيثم ولله الحمد حفظ القرآن الكريم كله. وكنا أول من ينهي الحفظ من مهجعنا بفضل الله.
مؤامرة!
ومرت الأيام .. وفوجئنا بواحد من الشرطة العسكرية صبيحة يوم تال يطلب أبا رشيد ويمضي به إلى حيث لا ندري. وعندما عاد بعد بضع ساعات كان في حالة يُرثى لها من أثر التعذيب. ولم يكن من طبع أبي رشيد الإكثار من الحديث، لكنه خصني رحمه الله بذكر ما جرى بحكم معرفتي السابقة به وصلتي الوثيقة معه. ووقتها أخبرني أن ضباطًا من المخابرات أتوا للتحقيق معه حول علاقته برئيس الأركان حكمت الشهابي الذي حضر إلى فرع المخابرات من قبل - كما ذكرت - وحاول دفعه للإعتراف ووعده بالمساعدة. وكانت إعادة التحقيق مع السجين من أصعب الأمور عليه وقد ظن أنه انتهى من هذه المرحلة وطويت أوراق ملفه. ورغم أن الشهابي حاول حقيقة الأمر أن يوقع أبا رشيد ويعين المخابرات عليه إلا أنه رفض الإعتراف بأمر يضره. ولعب المحققون لعبة الإغراء ثانية معه ووعدوه بأن ينقذوه من الإعدام إذا اعترف بوجود صلة للشهابي معه فأبى. وعذبوه على ذلك أشنع العذاب فأصر على موقفه .. وأحس أن ثمة مؤامرة داخل أجنحة النظام تريد استغلاله لتصفية خصومات بينهم .. فأبى بنزاهة المسلم أن يظلم حتى عدوه، وتحمل في سبيل ذلك أشد العذاب.
اليوم المقدور
وانقضت شهور أخر. وتحسنت صحة أبي رشيد والتأمت جراح حفلة التعذيب تلك .. ومضت حياتنا على نفس المنوال لا نخرج من هم حتى نقع في هم أشد .. ولا ننجو من تعذيب حتى يطولنا