فهرس الكتاب
حفل تعذيب أشنع .. وفي شهر تشرين الأول أو تشرين الثاني من عام 1981 تم استدعاء دفعة جديدة للمحكمة الهزلية التي كانت أحد فصول التعذيب النفسي والجسدي معًا. وخرج في هذه الدفعة أبو رشيد ضمن حوالي أربعين أخًا من مهجعنا. ورغم أنه رجع من غير أن يبلغونه بالحكم إلا أنه أدرك أن الأمر انتهى .. واستشف ذلك من كلام سليمان الخطيب الذي تربع على كرسي القضاء جورًا وظلمًا .. خاصة وأنه عاد وألح عليه لتوريط الشهابي .. ووعده بإنقاذه من الإعدام إن فعل .. وأصر أبو رشيد وقتها على الرفض مهما كانت النتيجة.
وعاد أبو رشيد من المحكمة وقد نوى أن يبدأ الصيام من ساعتها وإلى أن يلاقي ربه. وقال بأنه لن يفطر حتى يخرج إلى الإعدام. وعندما حل ذلك اليوم المقدور بعد قرابة الشهرين كنت قد رفعت له شايًا وبعض الطعام من وجبة الفطور ليتناولها عند الغروب. فلما دخلوا ونادوا على أسماء المطلوبين للإعدام من دفعته لم يذكروا اسمه .. وتدافع الإخوة لوداع الأحبة وأغلق من ثم الباب .. وبينما نحن نترقب ناداني أبو رشيد رحمه الله وقال لي:
أخي أبو سليم .. أراني اليوم متعبًا .. هات ناولني الشاي والطعام لأفطر.
قلت له: هاك وتوكل على الله.
ووالله الذي لا إله إلا هو، لم يرشف أبو رشيد من الشاي رشفة وبدأ بالثانية حتى فُتِحَ الباب من جديد ونادى الشرطي فينا:
حسين رشيد عثمان.
حاضر.
رد أبو رشيد وكأس الشاي لا يزال بين شفتيه .. فأيقنا سبحان الله كيف أن رزق الإنسان المقسوم لا بد وأن يبلغه .. وأنه كان لا بد وأن يأخذ رشفتي الشاي هاتين لا تزيدان ولا تنقصان!
ولم يلبث أن قفز رحمه الله إلى زاوية من زوايا المهجع وبدأ يخلع عنه ملابسه وهو يكبر ويهلل .. وحينما لم يبق عليه إلا الشورت والشرطة على الباب يكادون يجنون مما يفعل ألقى إلينا بكل ما كان يرتدي لنستفيد منه .. وخرج إلى الإعدام رحمه الله. ولم أستطع هذه المرة التلصص من ثقب الباب بعد الذي حصل. وسرعان ما انتهى تنفيذ الإعدام، ودخل الشرطة علينا فأخرجونا إلى الساحة وأشبعونا جلدًا ولطمًا حتى يمسحوا عنا أي أثر إيجابي تركته فينا تكبيرات أبي رشيد رحمه الله.
أحداث حماة