فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 711

وحل عام 1982 ونحن بين أيدي الظلمة تمضي بنا الأمور من سيىء إلى أسوأ. ولم تلبث أن انفجرت الأحداث في حماة من غير أن نعلم بها بالطبع. لكننا تلقينا آثارها السلبية داخل السجن ورأينا الأهوال وقتها دون أن ندري بما يجري.

فابتداء من شهر شباط اشتد التعذيب نوعًا وكمًا .. وبدأ ضحاياه يتزايدون باستمرار .. حتى أن واحدنا كان إذا حل دوره في سخرة الطعام وأراد الخروج لتناوله من باب المهجع قرأ الفاتحة ووضع في حسبانه احتمال أن تكون آخر سورة يتلوها قبل أن يموت! وبلغتنا أنباء عدة عن إخوة قتلتهم ضربات تلك العصا الغليضة التي كانوا يهوون بها على رأس السجين مباشرة ولا يبالون. وفي نفس الفترة ارتفعت نسبة المحكوم عليهم بالإعدام حتى كادت أن تشمل 98% من كل دفعة تخرج للمحاكمة. وأصبحت الأحكام تنفذ كل يومين بعد أن كانت من قبل ثلاث مرات في الشهر على الأغلب. ووقتها كان إعدام أبي رشيد ودفعته رحمهم الله.

احتياطات!

وذات يوم، وفي دفعة من دفعات الإعدام تلك، طلب الزبانية أخًا من مهجعنا 26 للإعدام اسمه عبد الكريم غانم من الزبداني كان طالبًا في كلية الهندسة بدمشق. فلما سمعنا الخبر اندفعنا نودع الأخ وقد تفجرت من مآقينا الدموع. فوجدناه رحمه الله يقف في وجوهنا شامخًا راضيًا يقول لنا:

علام تبكون؟ ابكوا على حالكم أنتم .. أما أنا فخلاص ارتحت من هذا العذاب.

ومما هو جدير بالتسجيل هنا أنه وأثناء هذه الموجة الطاغية من العنف والإجرام بلغنا ذات مرة أنهم أخرجوا دفعة من السجناء للإعدام فتمكن أحد الإخوة من بينهم من الإفلات، وقام بضرب الجلادين ما وسعه الجهد قبل أن يطبقوا عليه ويعيدونه إلى حبل المشنقة. وبعد الحادثة اقتحموا كل المهاجع وأذاقونا كلنا قتلة من أشد ما رأينا خوفًا من أن تولد حادثة الأخ فينا نوعًا من أحاسيس التمرد والعصيان. ومن وقتها بدأ الشرطة يأخذون احتياطات أشد أثناء الإعدامات.

العميل!

تم اعتقالي مثلما ذكرت في البداية في الشهر العاشر من عام 1980 بعد أن انتقلت صلتي من أبي الفرج إلى يحيى الشامي. ورغم التعذيب الفظيع الذي نلته في أقبية المخابرات العسكرية فإن الله ثبتني ولم أعترف على يحيى أو أي شخص آخر. لكنني فوجئت مع اشتداد موجات القتل والتعذيب في الشهر الثاني من عام 1982 بخبر استشهاد يحيى في سجن تدمر. ثم لم تلبث الأقدار أن جمعتني مع إخوة من هنا وهناك التقوا يحيى في مراحل محنته المختلفة وعرفوا قصته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت