فهرس الكتاب

الصفحة 503 من 711

رملا. فينهض الجميع راكضين، لتأتيهم إيعازات أخرى، ثم مستلقيًا، فيستلقي الجميع على ظهورهم، أو يقول: جاثيًا، فيجلس الجميع جثيًا على ركبهم، ويحيط بالباحة عدد كبير من الجلادين وبأيديهم السياط، وربما زاد عددهم عن عدد المعتقلين وخاصة في الأشهر الأولى من دخولنا السجن، عندها كان عدد المعتقلين قليلًا نسبيًا، وكلما مر أحد السجناء أمام أحد الجلادين ضربه بالسوط كيفما اتفق، وربما استوقفه وطلب منه أن يفتح يديه لينهال عليهما ضربا، أو يأمره بالانبطاح على الأرض رافعًا قدميه للأعلى ليجلده عليهما ... وهكذا ... حتى انتهاء مدة التنفس. والويل كل الويل لمن يتلكأ بتنفيذ أمر من الأوامر الصادرة للجميع أو له شخصيًا.

نوع آخر من التنفس: يخرج السجناء للباحة فيطلب منهم أن يسيروا رمَلًا حول الباحة، ثم يطلب منهم الانبطاح على الأرض رافعين أقدامهم للأعلى من الخلف، فتصبح السيقان مع الأقدام عمودية على الأرض، فينهال الجلادون بسياطهم على الأقدام، وآخرون يدوسون فوق ظهور المعتقلين. وفي هذه الحالة، لا يسمع الإنسان إلا لسع السياط وصريرها المختلط مع صراخ وأنين المعذبين، والجلادون ماضون في حقدهم الغادر اللئيم.

لقد اتبع الجلادون هذه الطريقة من التنفس خلال الشهور الأولى من وصولنا إلى السجن، (آب، أيلول، تشرين الأول وتشرين الثاني من عام 1980) فقد كان التعذيب على أشده خلالها، حتى أسماه المعتقلون بأيام التعذيب، تمييزًا لها عن غيرها من الفترات.

وخرجنا ذات يوم للباحة، فوجدنا أن أرضها قد امتلأت ببقع الدم، وكان الجو حارًا، ففاحت رائحة الدم التي اختلطت مع رائحة المطاط المنبعثة من السياط وإطارات السيارات الملقاة على الأرض، وكان بعض الجلادين يرمون تلك الإطارات الثقيلة على المعتقلين مع القهقهة الشديدة، وآخرون يقومون برفس المعتقلين، ويدوسون بأقدامهم على أجسامهم، وقام بعضهم بالقفز فوق ظهور المعتقلين مما سبب كسورًا ورضوضًا في عظام الصدر والعمود الفقري والأطراف ... لقد كان الكرب شديدًا في تلك الأيام، كان عددنا قليلًا بالنسبة إلى عدد الجلادين، ولاحظت خلال تلك الفترة عددًا من الجلادين بثياب مدنية، وهم غالبا عناصر البلدية الذين يقومون بأعمال الخدمة في السجن، ولفت أنظارنا وقتها دخول دوريات المخابرات المتكررة، وكانوا يجلبون دفعات جديدة للسجن، ويقومون بتعذيب المعتقلين مع عناصر الشرطة العسكرية تنفيسًا عن أحقادهم.

أما الحالة النفسية للسجناء، فلا يمكن وصفها، فالخوف والرعب قد أخذا منهم كل مأخذ، وهما أشد على النفس البشرية من لسعات السياط، والسجناء الآخرون ينتظرون دورهم، وقد تسمر كل في مكانه من الهلع. وهذه هي أشد لحظات التعذيب إذ تتسارع ضربات القلب مع قرقرات شديدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت