فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 711

بالأمعاء. وقد أصيب أكثر السجناء بالإسهال، وتزاحموا أمام دورة المياه، فالكل مصاب بالغم والكرب، بعضنا تسلح بالوضوء، وراحت الألسنة تجأر إلى الله بالدعاء، وآخرون يقرؤون ما حفظوه من كتاب الله العزيز، حتى يأتي دورنا، هكذا كنا نقضي أوقاتنا على هذه الوتيرة من التوتر والقلق والعذاب كلما سمعنا أصوات التعذيب في الباحات الأخرى، وكلما انتهى فصل من فصوله كنا ننتظر الفصل الذي يليه، وكلما سمعنا صرير الأقفال وفتح الأبواب بالباحات الأخرى، سيطر علينا الغم والكرب والخوف. ولعل الألم النفسي الذي كنا نواجهه يفوق بشدته جميع أنواع التعذيب الجسدي الذي نتعرض له رغم وحشيته وفظاعته، وهكذا حتى يأتي الليل ليسدل علينا ستره وبعض الراحة النفسية. وكم كنا نتمنى ألا يطلع علينا الفجر، بل إننا كنا نصاب بالغم عندما نسمع المؤذن يرفع آذان الفجر هل يصدق المسلمون هذا الكلام؟ .. أجل .. كنا نصاب بالهم والذعر عندما يتناهى إلى مسامعنا صوت المؤذن لصلاة الفجر، فيتساءل كل منا: ماذا ينتظرنا في هذا اليوم الجديد؟! وكم دعوت الله تعالى إذا حل الظلام أن نقبض فلا نصبح إلا جثثًا هامدة، نعم لكم تمنينا الموت في تلك الأيام الحالكة السواد. لقد قالها لي بعض الأخوة: قد يكون الموت فرجًا بالنسبة لنا. وكم تذكرت قوله تعالى عندما يصف حالة الكافرين الذين أدخلوا جهنم عندما يشتد عليهم العذاب فيتمنون الموت حيث يقول تعالى: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك، قال إنكم ماكثون) .

كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا وحسب المنايا أن يكن أمانيا

نعم لقد وصل الكرب ذروته، فأصبح الموت أمنية غالية يتمناها أكثرنا إن لم يكن جميعنا، لأنه باب الخلاص الوحيد من بطش الجبناء الرعاديد فئران.

وتنفس ثالث للأوباش: وهي أن ننزع ثيابنا ونخرج إلى الباحة، فيبدأ الجلادون بضربنا، ويطلبون منا أن ننبطح أرضًا كذلك، ومرة طلبوا منا أن نخرج، وكان الجو باردًا وامتلأت الحفر الموجودة في أرض الباحة بالماء، بسبب هطول الأمطار خلال الليلة السابقة .. كان الوقت صباحًا عندما طلبوا منا الانبطاح على الأرض التي امتلأت بالماء والحصى والقاذورات، ولم يقتصر الأمر على هذا فقط بل راحوا يسلقوننا بسياطهم على أجسادنا العارية حتى انتهى التنفس.

ونمط رابع للتنفس: يخرج المعتقلون مع جميع أغراضهم من أسمال بالية وبطانيات وعوازل، ويضع كل معتقل أغراضه أمامه ويجلس، فيطلب الجلادون منا أن نخلع ثيابنا، ويتجولون وبأيديهم السياط يلهبون بها أجسادنا كما يحلو لهم، وقد يطلبون منا أن نقوم بإجراء التمارين الرياضية المرهقة مع الجلد والبطش، ويستعمل الجلادون هذه الطريقة من التنفس أيام الصيف الحارة، حيث الشمس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت