فهرس الكتاب
المحرقة في صحراء تدمر. ونتيجة لإخراج الأغراض وتعريضها للشمس، فإنها تمتص معها كمية من الحرارة، وعندما ندخلها إلى الزنزانة تزيد الحرارة داخلها أكثر وأكثر، ليضاف ذلك إلى معاناتنا من ارتفاع درجة الحرارة بسبب الصيف وسوء التهوية والازدحام الشديد، فيكون ذلك كربا فوق كرب، ظلمات بعضها فوق بعض، ورغم ذلك كنا نفرح بانتهائنا من حفلة التنفس لذلك اليوم.
مدة التنفس عادة نصف ساعة أو أقل قليلًا أو أكثر، يقضيها السجناء بالتعذيب والإهانة والشتائم والهم والكرب، وكنا نحسبها يومًا كاملًا لما لها من وطء رهيب على النفس، والتنفس عادة يومي، ولكن قد تمر بعض الأيام دون أن نتعرض له، ولكن التعذيب لا يفارقنا لحظة واحدة من ساعات النهار الذي نقضيه بالترقب والحذر.
الحمام في سجن تدمر: وهو أيضا مناسبة أخرى لتعذيب المعتقلين، وأول مرة خرجنا إلى الحمام كانت في تشرين الثاني عام 1980م بعد مضي أكثر من ثلاثة شهور من دخولنا السجن، ثم أصبح الحمام فيما بعد أسبوعيًا. يأتي الجلادون فيفتحون باب الزنزانات قائلين: (الكل بالشورت للحمام) فيخرج السجناء كالعادة مطأطئي الرؤوس مغمضي العيون يمسك كل منهم بيد أحد إخوانه ثم يصطف الجميع في الباحة رتلا ثنائيا ثم يسيرون مسرعين نحو الحمام، ويقف الجلادون على طول الطريق وبأيديهم السياط يلسعون بها أجساد المعتقلين وخاصة عند المهجع والأبواب التي تفصل الساحات عن بعضها البعض. وأمام باب الحمام المكون من غرفتين منفصلتين، جرى تقسيمهما لعدة أقسام، يفصل بينهما جدران إسمنتية ترتفع حوالي متر ونصف المتر، وكل قسم يتسع لشخصين فقط، وهو مخصص عادة لشخص واحد ولكن يزدحم فيه عدد أكبر من المعتقلين حوالي 5 - 6 أشخاص على الأغلب وخاصة عندما زاد عدد المعتقلين بداية عام 1981.
الماء المستعمل في أكثر الأحيان هو الماء البارد، ونادرًا ما يكون الماء مقبولًا، وأحيانًا يكون الماء حار جدًا، مما يسبب الحروق الجلدية، ولا مجال للاعتراض على تعذيب من نوع جديد، فالماء يسكب من صنابير موجودة في الأعلى، ويتحكم بها السجانة، وبعد عشر دقائق من دخولنا الحمام نؤمر بالخروج فنقف قليلًا بباحته لتلقّي كم هائل من لسعات السياط، ثم نعود بنفس الحفاوة التي استقبلنا بها عند دخولنا الحمام.
وللإنسان أن يتصور أي حمام ذلك، فكل شيء مخصص للتعذيب والإهانة، من خروج المعتقل عاريا ماعدا السروال الداخلي، والسير بهذه الصورة مسافة طويلة مع السياط والماء البارد وما بعد الحمام. ولو أن الأمر اقتصر عند هذا الحد لهان علينا كثيرًا، ولكن سجناء تدمر تعرضوا لحمامات أكثر فظاظة وفظاعة مما وصفت، وتستحق أن تسمى حمامات الدم.