فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 711

حمامات الدم في سجن تدمر: هذه العبارة معروفة في القسم السياسي، وهي تعني المجازر الدموية التي يرتكبها الطغاة. وسجن تدمر يعتبر حمام دم بهذا المعنى وهذا ما سنراه عند الحديث عن المحاكم الميدانية، لكن حمامات الدم التي نتحدث عنها هنا هي شيء آخر، ولعلها أشد إيلاما، لأن التعذيب أشد على النفس من الموت.

خلال شهر شباط عام 1982 وبالتحديد أثناء مجزرة حماة الكبرى اشتدت حدة التعذيب في سجن تدمر، وتحولت مناسبة الخروج للحمام إلى مجزرة حقيقية فراح الجلادون يضربون المعتقلين بحقد وفظاعة لم يسبق لهما مثيل.

يتم تقسيم المعتقلين إلى دفعتين عند بلوغهم ساحة الحمام، فتدخل الأولى وأما الثانية فينتظر أفرادها في الباحة لينهال عليهم الجلادون بالسياط وبقسوة وعنف، فيتراكض المعتقلون، ويطاردهم الأبالسة الجلادون، عند ذلك لا يسمع الإنسان إلا لسع السياط التي اختلطت مع أنين واستغاثات المعذبين وأصوات وقع الأقدام على الأرض من شدة التدافع والركض، وبعد عذاب رهيب يطلب الجلادون ممن دخل الحمام الخروج ليدخل مكانهم الذين كانوا بالباحة، ليبدأ التعذيب من جديد لمن كانوا داخل الحمام، وبنفس الصورة السابقة على الأجساد العارية المبللة بالماء البارد.

وبعد ذلك يخرج الذين دخلوا الحمام، ليسير الجميع نحو المهجع والسياط تلهب أجسادهم. ويمكن للإنسان أن يتصور فظاعة ذلك الفصل من التعذيب، فالأجساد عارية ومبللة بالماء في شهر شباط (فبراير) وفي درجة حرارة متدنية في صحراء تدمر. لقد امتلأت أرض الباحات وخاصة باحة الحمام ببرك الدم.

واستشهد عدد من الأخوة تحت التعذيب، وأصيب آخرون بأذيات شديدة كالكسور والجروح والخلوع وفقد البصر نتيجة لفقء العيون، والتي أدت لعاهة دائمة، لأن الدواء والعلاج ممنوعان عند القرامطة.

وأما البرد فلم نكن نشعر به، رغم أننا نخرج عراة ونسير مسافة طويلة نحو الحمام، وقد تزيد المسافة عن مئتي متر أو أكثر ما بين المهجع والحمام، ورغم ذلك، فلم نكن نفكر بالبرد، خاصة بعد عودتنا مبللي الأجسام، لأن الخوف قد استولى علينا، وتفكيرنا يتجه نحو السياط فقط. وهكذا كانت حال الحمام في سجن تدمر.

طرق أخرى للتعذيب والتنكيل: فالجلادون لا يتركون مناسبة تمر دون التنكيل بأسراهم، ويتفننون في ذلك. ولو أراد المرء أن يحصي طرق التعذيب والبطش لاحتاج إلى عدة مجلدات، ولكن تبقى هنالك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت