فهرس الكتاب
وهكذا ... وذات مرة راح أحد الحاقدين يسأل: من منكم أستاذ مدرسة؟ أيكم مدرس تربية دينية؟ فلم يجبه أحد، فاختار أحد الإخوة وسأله عن عمله، فأجاب أن لا يعمل مدرسًا، فقال له وما عملك؟ قال له: بائع صابون، فانهال عليه ضربًا بالسوط، وكلما لسعه سوطًا له: (خذ لوح هالصابون) ، حتى شفى حقده من ذلك المسكين، وكذلك الأمر بالنسبة لكبار السن، وأغلبهم من الرهائن الذين ليس لهم أي قضية تستوجب اعتقالهم، وكان الجلادون يستعملون معهم ألفاظًا تنم عن درك سافل من المستوى الوضيع الذي وصل إليه أولئك الأوباش، كعبارة (شيبة الكلب) و (شيبة الخنزير) ويضربونهم بقسوة، مما أدى لاستشهاد عدد منهم نتيجة التعذيب، أذكر منهم: الحاج هاشم الحبال من حمص، وقد اعتقله المجرم غازي كنعان مع أحد أبنائه كرهائن، وهو في العقد الثامن من عمره، وأرسل لتدمر بعد المجزرة مباشرة (في شهر تموز من عام 1981) وضمه المهجع رقم 19 في الباحة الرابعة، وكان مصابا بأمراض مختلفة، نتيجة الشيخوخة، ومع ذلك، تعرض للتعذيب الشديد على أيدي المجرمين الذين كانوا يخصونه دون غيره في كل مناسبة بالجلد، فيصرخ ويستغيث، حتى صار صوته معروفًا لدى جميع المعتقلين نزلاء الباحة الرابعة.
ولسوء المعاملة والأوضاع المتردية في السجن، توفي في مطلع عام 1981 فسأل المجرم غازي كنعان بعض المعتقلين ممن أُعيدوا للفرع للتحقق أو لأمور أخرى عن سبب وفاة الشيخ هاشم حبال قائلًا لهم: هل كانت وفاته طبيعية أم لسبب آخر؟ وكأنه لا يعلم ما يعنيه ذهاب المعتقل لسجن تدمر. ولطالما ردد لكثير ممن معتقليه قوله (روح لتدمر لتموت هناك كالكلب) ولكن أنى للمعتقلين قول الحقيقة؟ فأجابوه بأن الوفاة طبيعية، فهم يعرفون أن ذلك المجرم النصيري (غازي كنعان) يريد استدراجهم من خلال السؤال، فيفتحون على أنفسهم كرم أخلاق ذلك الوغد!!!
وكذلك الأمر بالنسبة لصغار السن (الأحداث) والذين لقبهم الجلادون بالوظاوظ أو الوظاويظ (22) ، وخصهم الجلادون بالتعذيب أكثر من غيرهم ليكسروا فيهم الرجولة والشهامة، فتأمن إسرائيل. وقد وصلت دفعة من الأحداث من فرع المخابرات العسكرية بإدلب، وبلغ عددهم 27 شخصًا كلهم من طلاب المدارس، وتعرضوا لحفلة استقبال بشعة، وبعدها صار الجلادون يخصونهم بالتعذيب، فهم يحضرون إلى الباحة الرابعة مساءً على غير عادتهم، ليفتحوا باب المهجع رقم 18 ويخرجوا أولئك الفتية، فيستمر المجرمون في تعذيبهم لمدة طويلة ثم ينصرفون، وعلمت أن 18 أخًا منهم قد استشهدوا نتيجة لمحاكم التفتيش التي حكمت بإعدامهم، لتقرّ عيون القرامطة الجدد من بني صهيون.
وفي نهاية عام 1980 قام جهاز السجن بفرز الأحداث، وجمعوهم في زنزانتين هما: رقم 31 و32 في الباحة السادسة ونقلوا فيما بعد في بداية عام 1982 إلى المهجعين رقم 36 و 37 في الباحة