فهرس الكتاب
وأما الخبز، فهو المخصص للجيش، وحصة السجين أقل من رغيفين من الخبز المعروف باسم العامية باسم (الصمون) ، وطعام العشاء هو أسوأ الأصناف المقدمة رغم رداءة الأنواع الأخرى، فالحمص والعدس المسلوقان غير ناضجين، إضافة لخلوهما من المواد الدسمة والملح، مع وجود الشوائب والأوساخ كالحصى والقش، وأما متبل الكوسا والباذنجان فهما عبارة عن حبات الكوسا والباذنجان المسلوقة والمفرومة لتقدم كطعام دون إضافات!؟ فكان السجناء يسخرون دائمًا من السجانين فيقولون طعام صاغ خال من أي غش؟! والأنكى من كل ذلك، توزيع الطعام بأوعية مكشوفة أمام باب المهجع، ويترك لساعات طويلة، معرضًا للغبار والحشرات، ولا يدخل للزنزانات إلا بعد أن امتلأ بالشعر والغبار والحشرات وإلا بعد أن تأكل منه الجرذان التي تخرج من فتحات المجاري، وهذا يؤدي بدوره لإصابة السجناء بأمراض مختلفة كالإسهالات والكوليرا لتزيد من عذابهم ومحنتهم.
وأذكر ذات مرة عندما كنّا نوزع طعام الغداء، وكان الجو حارًا، والرياح شديدة تثير الغبار، وعملية الحلاقة تجري بباحتنا، تم توزيع أواني الطعام أمام أبواب الزنازين، فلاحظ أحد الحلاقين أن الطعام قد امتلأ بالشعر المتطاير مع الغبار، فقال لأحد الجلادين: إن الطعام قد امتلأ شعرًا، فأجابه ذلك المجرم (لجهنم) .. وأما أوقات توزيع الطعام فهي مختلفة، فأحيانًا يوزع في وقته المحدد، وأحيانًا يوزع بعد مضي عدة ساعات عن الوقت المحدد، وخاصة طعام الإفطار الذي يتأخر الجلادون في توزيعهم بسبب انشغالهم بعمليات الإعدام التي كانت تتم صباحًا، لإنشغال المجرمين بواجبهم الوطني الأكثر أهمية؟؟!!
وطعام الغداء يتأخر توزيعه عن الموعد المحدد عندما ينشغل المجرمون بالمحاكم .. وأما الأواني المستعملة لتوزيع وتناول الطعام فلم نكن نملك منها شيئًا في الشهور الأولى، فكنا نأكل مباشرة من الأواني التي يستعملها الجلادون واستطعنا الحصول على قطعة نايلون فصرنا نستعين بها بتناول الطعام حيث نخلط البرغل أو الرز مع المرق على تلك القطعة لنتناوله بأيدينا، وبعد ذلك احتفظنا بصحن بلاستيكي من التي يستعملها الجلادون لتوزيع الطعام، فصرنا نستعين بها عند تناول الطعام ولبيت الخلاء أيضًا!!
وفي بداية عام 1981 سمح لنا بشراء بعض الصحون البلاستيكية والملاعق الخشبية والأكواب البلاستيكية فصرنا نستعين بها.
لقد كانت كمية الطعام قليلة جدًا لا ترد غائلة الجوع، لذلك كنا نأكل كل البقايا والفضلات كقشور الفواكه (قشر البرتقال -الموز) وأكل بعضنا قشر البيض والبطيخ مما أدى لإصابة الكثيرين منا بآفات بالفم نتيجة لذلك، وكذلك عندما نخرج لتوزيع الطعام، كنا نلتقط بقايا الطعام الملقاة على الأرض، فنأكلها كما تفعل المخلوقات الأخرى، وأذكر أن أحد الأخوة التقط ذات مرة قطعة