فهرس الكتاب
من اللحم، وقد امتلأت بالأوساخ، حتى إنها سويت بالأرض من كثرة الأقدام التي داستها، ومع ذلك فقد أكلها!! وكنا نلتقط بقايا الطعام الذي يوزع للجلادين رغم احتوائه على نفايات وأكدار مختلفة، وكنا نأكل الطعام رغم أننا نرى الأوساخ والحشرات التي تساقطت فيه، خاصة المرق الذي يمتلئ بالذباب والصراصير في أكثر الأحيان، بل إننا كنا نبحث بين أكوام القمامة كلما سنحت لنا الفرصة لنلتقط بقايا الطعام الذي يأتي للسجناء القضائيين (عناصر السخرة والبلدية) من ذويهم أثناء زيارتهم، إلى هذا الحد وصل بنا الحال في باستيل سورية، بل إنني أكاد أكذّب نفسي حينما أتذكر تلك الأيام السوداء، لأن ما حصل لا يمكن تصوره، ويفوق كل وصف وخيال، لقد عرفت حينها معنى قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وعرفت قيمة النعم التي منَّ الله علينا بها ولكننا لا نعرف قدرها، فيا ربّ، عرّفنا على نعمك بدوامها لا بزوالها يا كريم.
سجن تدمر أثناء المناسبات القومية والأعياد: في هذه المناسبات وخاصة مناسبة ما يسمى بالحركة التصحيحية وذكرى 8 آذار تزداد كمية الطعام وخاصة اللحم لكنها تكون فاسدة وقد فاحت رائحتها الكريهة ولا ندري ما هو سبب ذلك وعلى الأرجح (والله أعلم) أن السبب عدم حفظها صحيًا، فلا ثلاجات لذلك، فهم يحفظون اللحم المخصص للقطعات العسكرية بالثلاجات، وأما حصة السجناء فتهمل خارج الثلاجات فتفسد، وتأكدنا من صحة ذلك عندما أكلنا فضلات الطعام المخصص للجلادين، لنجد أن اللحم ناضج صحيح، كيف لا وهم يرون أن المعتقلين يجب أن تستنفد في حقهم جميع فرص ووسائل التعذيب لتمكين أركان النظام من التنفيس عن أحقادهم التاريخية، لذلك كانوا يرون وجوب تأديب المعتقلين بكل وسيلة، بل إنهم كانوا يعتبرونهم دون مستوى الآدميين، ولطالما استعملوا كلمات تدل على ذلك مثل: حشرات، أوباش، علف (25) .. وكثيرًا ما أصيب المعتقلون بالإسهال جراء تناول اللحم الفاسد، لذلك كان معظمهم يعف عن تناوله تجنبًا لمخاطره، أما الآخرون، فكانوا يأكلونه، لأن الجوع والحرمان كانا شديدين، بل إن الأخوة الذين يأكلون تلك اللحوم، يفرحون بتلك المناسبات، لأنها كانت فرصتهم الوحيدة لتناول شيء من اللحم، وإن كان فاسدًا!!
الحالة الصحية بسجن تدمر: وتختلف عن السجون الأخرى لكثرة العوامل المؤدية للأمراض والأوبئة. وأهم هذه العوامل: التعذيب والقهر اللذان يتعرض لهما المعتقلون، والازدحام الشديد، والجو غير الصحي الذي تتصف به أكثر الزنزانات. فالبرد الشديد شتاء مع قلة الملابس والأغطية وانعدام الدفء، بالإضافة إلى الفتحات في السقف في كثير من الزنزانات، علاوة على ذلك: