فهرس الكتاب
انتقلنا في نهاية عام 1980 إلى مهجع آخر، كان يضم عددًا كبيرًا من المعتقلين الأحداث الذين تعرضوا لتعذيب شديد حتى أصيب أكثرهم بجروح بليغة، ونتيجة لسوء الحالة وتدهورها، فإن تلك الجروح أصيبت بالالتهاب والتقيح، وكانت رائحة القيح الكريهة تنبعث في أرجاء الزنزانة فتزكم الأنوف. وكانت إصابة أحد الأخوة خطيرة، ولم تفلح المعالجة البدائية التي تلقاها بتخفيف الإصابة لأنها لم تكن كافية طبيًا ... وما يغني المطهر في دفع الجراثيم الخطيرة التي دخلت الجسم؟ وساءت حالة الأخ أكثر وأكثر، وقال الإخوة وقتها: إنه مصاب تجرثم الدم، وطلبوا منا أن نجأر إلى الله في الدعاء لدفع خطر تلك الإصابة. وقام الإخوة بمساعدته في حدود الإمكانات المتاحة، فمن الله عليه بالشفاء، بعد أن وصل إلى حافة الموت، فكانت كرامة من الله، في الوقت الذي رفض المجرمون تقديم أي نجدة أو إسعاف ..
ومثل هذه الحالات كثيرة في سجن تدمر، وهي تتناسب طردًا مع واقع واسم المكان ونفسية الطغمة الطاغية الغاشمة.
6 -مرض الجرب: عرفنا هذا المرض بعد شهرين من نزولنا سجن تدمر، عندما نقلنا إلى زنزانة موبوءة فيه، وعلمنا من الإخوة فيها أنهم أصيبوا بهذا المرض قبل مجيئهم إلى تدمر. وعلمنا بعد ذلك أن معظم فروع المخابرات في مختلف المحافظات موبوءة بالجرب والقمل، حيث ينتقل سجناؤها إلى تدمر الأسد فينقلونها إلى المعتقلين الملازمين لزنزاناتهم، وهذا ما حدث في بقية السجون والمعتقلات ومراكز تجميع المعتقلين، فقد أصبحت جميع فروع المخابرات العامة المسمى بسجن كفر سوسة بدمشق وفرع التحقيق العسكري في دمشق أيضًا، وسجن أمن الدولة في حلب أيضًا، والسجن المدني في إدلب، وكل سورية معتقل وإرهاب ماعدا قصر القرد الأعظم، وقصور أزلامه وجلاوزته خونة الشعب والدين والأرض.
ولمرض الجرب في سجن تدمر قصة مؤلمة لم تخل من بعض الإيجابيات رغم مرارتها، فالجرب مرض جلدي يؤدي للحكة الشديدة، خاصة أثناء الليل، مما يحرم المصاب من النوم والراحة. وهو مرض معد ينتقل من شخص لآخر نتيجة الملامسة واستعمال الملابس والأغطية المشتركة، كما علل أحد الأطباء ذلك، وهذه أمور لا يمكن تجنبها بين سجناء تدمر، فوسائل الوقاية من المرض معدومة تماما. ونتيجة للحكة الشديدة المستمرة، يصاب الجلد بالتقرح الشديد، وبعد ذلك يصاب بالالتهاب والتقيح، مؤديا لاستفحال المرض أكثر فأكثر، مع صعوبة التشخيص والمعالجة. وعندما انتشر الجرب في جميع المهاجع بنسب متفاوتة بدأت المعالجة، ولا نعرف سبب عدم بدء المعالجة قبل ذلك، أهو بسبب جهل الجهاز الصحي (الطبيب والممرض) ، بالمرض أم بسبب عدم استجابة إدارة السجن لما يقترحه الطبيب في ذلك الوقت؟ (28) أم أنهم يريدون جعل الجرب وسيلة أخرى