فهرس الكتاب
لتعذيب السجناء؟ وبعد أكثر من أربعة شهور على انتشار المرض بين المعتقلين، بدأت المعالجة، وكان ذلك في شهر كانون أول من عام 1980.
أعجب وكالة أنباء في التاريخ: أخرج الجلادون المصابين، وجمعوهم في زنزانة واحدة في الباحة السادسة المرقومة 28 والعنبر الثامن في باحة الحمام، كان يترك المصابون هناك مدة أسبوع تقريبًا، ويعادون إلى مهاجعهم بعد ذلك.
ولمهجع الجرب قصة أخرى طريفة يعرفها السجناء تدمر في ذلك الوقت، وهي وجود ظروف جديدة من جراء تجميع الإخوة المعتقلين من شتى المهاجع، مما أدى إلى معرفة مزيد من المعلومات والحقائق والإشاعات والأخبار الخارجية التي كانت غير معروفة بسبب العزلة المفروضة، كما عرف الكثير من المعلومات عن التحقيق والمحققين، وتعرف بعض الإخوة بإخوان لهم ممن يعرفونهم خارج السجن، بل عرف بعض الإخوة أسماء المعتقلين من أقاربهم ومعارفهم من خلال مهجع الجرب، وأكثر من ذلك، أن أحد الإخوة التقى بابنه هناك، وكان الأب قد اعتقل تاركا أبناءه، فاعتقل أحدهم بعده ليلتقيا معا في سجن تدمر، وفي مهجع الجرب (!!!) فياله من لقاء!! على عهد قرود القرامطة المعاصرين!!! .... وبات مهجع الجرب محطة نقل الأخبار ووكالة للأنباء عند سجناء تدمر المعزولين تماما عن العالم الخارجي، المصفدين بقيود المجهول.
وساعد على انتقال حفظ القرآن بين مختلف الزنازين، فيتبادل الإخوة السور التي يحفظونها شفهيا، ليعود الأخ إلى مهجعه حافظًا سورة جديدة لا يوجد بين إخوانه من يحفظها. وهكذا زاد عدد من يحفظ القرآن، وكمية القرآن المحفوظة، وأصبح في كل زنزانة عدد من الإخوة يبلغ مجموع ما يحفظونه مصحفًا كاملًا، مما ساعد الإخوة في العبادة، وشغل أوقاتهم بحفظ القرآن.
وعن طريق مهجع الجرب علمنا بعمليات الإعدام التي كانت تتم في الباحة السادسة، وعلمنا بالمحاكم الميدانية التي كانت تجري هناك (كما سنرى لاحقًا) ، وعلمنا باستشهاد عدد من الإخوة تحت التعذيب، وبوفاة عدد آخر نتيجة تردي الأحوال الصحية والعامة على السواء.
كان الإخوة نزلاء المهجع يحيطون بإخوانهم العائدين من مهجع الجرب، يسألونهم عن الأخبار الجديدة، والإخوة متفاوتون في درجة وعيهم وفهمهم، وفي كل مهجع عدد من الإخوة من أصحاب الرأي وأهل الدراية الذين يقومون بتجميع تلك الأخبار وتحليلها وإلقائها على الإخوة نزلاء المهجع إذا سمحت الظروف بذلك، ويميلون فيها إلى الأسلوب الترغيبي لرفع معنويات المستمعين. وكانت تخيلاتهم غالبًا تجنح إلى المبالغة والخيال، للحد من الظروف القاهرة التي يحياها السجناء.