فهرس الكتاب
ومهما يكن من أمر، فلمهجع الجرب تأثير إيجابي ساعدنا كثيرًا في تلك الفترة للتغلب على الظروف النفسية القاسية التي نعاني منها، نتيجة عزلنا التامة عن العالم، والتي جعلتنا نعيش في غياهب المجهول، إضافة للظروف الأخرى التي تحدثنا عنها، وكان يقضي الإخوة أيامًا في الحديث عن تلك الأخبار وتحليلها والاستنتاج منها، حتى تأتي أخبار جديدة وهكذا .. فربّ ضارة نافعة.
وللأسف أُلغي مهجع الجرب بعد ذلك، فأصبحت المعالجة مقتصرة على إخراج المرضى للباحة، وإعطائهم الدواء لدهن أجسادهم، ورغم ذلك تعرضت مداواة المرضى لمد وجزر حسب الظروف العامة في السجن وأوضاع السلطة، فعندما تسوء المعاملة، توقف المعالجة، وإن وجدت فهي مترافقة بالسياط، مما يجعل أكثر المرضى يؤثرون المرض على السياط.
ولعل من أسوأ الفترات: تلك الممتدة بين نهايتي عام 1981 وعام 1982 عندما تولى المجرم فيصل إدارة السجن، بدل المساعد أبو جهل، وأُعفي المساعد أبو رشيد (ممرض السجن) من عمله، فأصبح ذلك المجرم الجلاد يتولى جميع أمور السجناء بعد ترقيته إلى رقيب أول، فانعدمت المعالجة، مع غياب طبيب السجن معها، وإذا وجدت أحيانًا فهي مترافقة بالسياط اللاذعات، كما حدث في عام 1982 عندما خرجنا للمعالجة (وكنت مع المصابين) فتعرضنا للضرب الشديد على أجسادنا العارية، لأننا ندهنها بالدواء، وأصيب أحدنا إصابات بالغة، لتعرضه للضرب المبرح أكثر من غيره، ولولا رحمة الله ولطفه لتوفي ذلك الأخ بسبب التعذيب، وقضى بعدها فترة تزيد عن الشهرين يعاني من خروج الدم مع البول.
وبقي الجرب متفشيًا في ذلك القبو اللعين، ليزيد من معاناة المعذبين والمضطهدين أصحاب الرسالة والدعوة الإسلامية، ولم يتمكن جهاز السجن من القضاء عليه لأن طريقة المعالجة بدائية ومخالفة لأبسط قواعد العلم والطب، وحق الإنسان، وبالتالي فهي عاجزة عن استئصال ذلك الداء.
القمل: وأصيب سجناء سجن تدمر بنوعين من القمل، هما قمل الجسم والعانة، ومنذ اليوم الأول لوصولنا السجن، قال لنا بعض الإخوة: إن الزنزانات التي كانوا فيها بالمخابرات موبوءة بالقمل، وبعد أيام قليلة من استقرارنا في المعتقل، أصبنا جميعًا بذلك الداء، ليضاف فصل جديد من الكرب والمقاساة.
وللظروف العصيبة التي نحن فيها ما كان يمكننا الوقاية من المرض، فاضطررنا إلى أن نعالج أنفسنا قدر المستطاع، وذلك بخلع الملابس عندما يكون الوقت ملائمًا (مساء) وتفتيش الداخلية منها جيدًا للقضاء على الحشرات وبيوضها بسحقها بين اظفري الإبهامين، ولم تكن هذه الطريقة كافية