فهرس الكتاب

الصفحة 525 من 711

لاستئصال الداء، فالدفعات الجديدة من المعتقلين تحمل معها وباءي الجرب والقمل المستشرين في جميع فروع المخابرات.

وفتح علينا باب من التعذيب عندما بدأ الجلادون برش المهاجع بالمبيدات الحشرية الممزوجة بسوائل الوقود (كالكيروسين والمازوت) باستخدام أدوات الرش الآلية التي تملأ المهاجع برذاذ السائل وبخاره ويدفعون بنا فيها ويحكمون إغلاقها علينا لنبقى نهب السموم، ولأن تهوية الزنزانات رديئة جدًا، فإن كثيرًا من السجناء كانوا يصابون بالإغماء نتيجة الاختناق الناشئ عن استنشاق المواد السامة، ونتيجة لنقص الأوكسجين وكان ذلك كارثة مفجعة على المسنين والمصابين بأمراض مزمنة كالربو وأمراض القلب والصدر، لأنها تؤدي لإثارة نوبات حادة من الربو وضيق النفس عندهم، ونلجأ لتلطيف الجو بتحريك البطانيات داخل الزنزانة رجاء طرد المواد السامة من داخل المهجع، فكل شيء في سجن الموت يستغل في تعذيب المعتقلين وإهانتهم.

وانتشر أيضًا قمل العانة، الذي يصيب أشعار الجسم، وهو أكثر إيلامًا وإزعاجًا من قمل الجسم، لأن أعراضه تشبه أعراض الجرب، كالحكة الشديدة بالليل، وعالجناه بإزالة الشعر من الجسم بمختلف الطرق، حتى إننا أحرقنا الشعر بأعواد الثقاب، ونتيجة للجهود المضنية التي بذلناها لمكافحته، تمكنا من القضاء التام عليه، ولم نعد نرى له أثرًا، وعند خروجي من السجن كان المهجع نظيفًا تمامًا من القمل بعد أن عانينا منه سنوات طويلة ..

الكوليرا: لقد أدت القذارة والأوساخ في السجن وترك الطعام نهب الحشرات والقاذورات مع سوء التغذية والتعذيب المستمر، أدى ذلك إلى ضعف مقاومة أبدان السجناء، وانهيار المناعة لديهم، مما سهّل إصابتهم بأمراض عديدة، منها مرض الكوليرا.

واجتاحت السجن عدة جائحات، بمعدل جائحة في كل عام. الأولى: كانت في نهاية عام 1980 والحمد لله الذي جعل عدد الإصابات محدودًا، وعدد الوفيات لم يزد عن ثلاثة أشخاص، وبقي الوباء محصورًا بعدد من الزنازين.

والجائحة الثانية كانت أكبرهن، أصيب فيها معظم السجناء خلال شهر نيسان من عام 1981 والتي دامت ما يقرب من شهرين، وارتعدت فرائص جهاز السجن منها، وتسارعوا لمكافحتها ولم يكن ذلك خوفًا على المعتقلين، وإنما خوفًا من انتشاره بين زبانية العصابة، أو انتقاله إلى خارج السجن، فمياه المجاري الخاصة بالسجن تصب بالمجاري العامة، لبلدة تدمر، وتستعمل بدورها لري المزروعات، وهذا بدوره سيؤدي لانتشار الوباء في البلدة، ومن ثم للمدن الأخرى، نتيجة تناول الخضراوات المروية بمياه المجاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت