فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 711

ومما يدعو إلى الضحك المبكي أسلوب المجرمين في معالجة هذا الحدث الخطير، إذ جمعوا المصابين دون السجناء في المهجع رقم 13 في الباحة الثالثة والذي يعتبر من أسوأ مهاجع سجن تدمر، فهو مظلم ورطب ورديء التهوية، يضاف إلى ذلك أنه لا يحتوي إلا على دورة مياه واحدة .. وسط هذا الجو ثم تجميع مرضى الكوليرا، ويالها من معالجة، وأما طبيب السجن، فقد هرب وولى الأدبار (وكان يومها من النصيريين) وبقي الأمر منوطًا بالمساعد الأول أبو رشيد ليقوم بهذه المهمة الخطيرة، فعلقت أكياس المصل لبعض المرضى بمساعدة الإخوة الأطباء، وساءت حالة أكثرهم بشدة أفقدتهم القدرة على الاستواء أو القيام بسبب الإسهال الحاد والذي أدى أيضًا للازدحام الشديد أمام دورة المياه، مما جعل الكثيرين يتغوطون ضمن ملابسهم، وأصيب آخرون بالغثيان والإقياء على أنفسهم وإخوانهم، وأخرج المجرمون بعض المرضى من المهجع الذي ضاق بهم، ووضعوهم في الممرات الموازية له، والتي تقع بجانب المجاري المكشوفة التي تمر في باحة الحمام إلى الباحة الثالثة، وإذا تحسنت حالة أحدهم أعادوه إلى مهجعه، ونصح الأطباء جميع إخوانهم بعدم الذهاب إلى مهجع الكوليرا، إلا الذين ساءت حالتهم وأشرفوا على الموت، وكنا نخرجهم محمولين ببطانية كالموتى إلى مهجع الكوليرا، ووزع جهاز السجن الأدوية على بقية السجناء (كبسولات التتراسيكلين) ووزعوا أيضًا مساحيق السكر والملح لتذاب بالماء ويشربها المعتقلون.

أصاب هذا الوباء القسم الأكبر من المعتقلين (حوالي 70%) وبدرجات متفاوتة، وكان للإخوة الأطباء دور كبير بمكافحته رغم انعدام الوسائل الأولية للإسعاف والوقاية، واتخذت كافة الاحتياطات الوقائية ضمن حدود الإمكانيات المتاحة، وألقيت التعليمات حول ذلك المرض، فأصبح القسم الأعظم من المعتقلين مدركين تمامًا طبيعة ذلك المرض، وطرق العدوى والوقاية المختلفة والعلاج.

واقتصرت التغذية في ذلك الحين على البطاطا المسلوقة مع الشاي، ولمدة تزيد عن الشهر. وتوقفت عمليات الحلاقة والحمام والتنفس أثناءها، وأصيب الجلادون الجبناء بالرعب والذعر، فكانوا يتجنبون المعتقلين عندما يحضرون للتفقد، فيهربون بسرعة دون التفكير بإيذائنا، وعشنا راحة حقيقية من العذاب الذي رده عنّا وباء الكوليرا، وغمرتنا الطمأنينة والهدوء اللذان حرمنا منهما طوال الشهور الماضية، رغم معاناتنا من الكوليرا وعذاباتها.

لقد تجلت عناية الله سبحانه لمعتقلي تدمر خلال تلك الفترة، بل أجزم على أنها كرامة من الله لأولئك المعذبين الذين يعيشون تلك الظروف القاسية على هامش الحياة الآمنة، وصرّح أحد الأطباء قائلًا: إني لا أستطيع أن أصدّق ما حصل .. كيف تجتاح الكوليرا هؤلاء المساكين في ظروفهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت