فهرس الكتاب
ورغم انتشار المرض بين السجناء، فإن المجرمين لم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمكافحته، واكتفوا بتوزيع بعض الأدوية على المصابين، وتكتموا على ذلك المرض، ولم يتخذوا نفس الإجراءات التي اتخذت لمكافحة الجرب والكوليرا، ولعلهم عرفوا أن السل يمكنه أن يودي بحياة المرضى فتركوه يفترس السجناء بأنيابه ليقولوا بعدها: إن الوفاة طبيعية، يضاف إلى ذلك، أن المرض المذكور قد انتشر عام 1982 بعد قيام جهاز السجن بفرز المعتقلين ومنع أي اختلاط بينهم.
الالتهابات المختلفة: ومنها التهاب اللوزات واللثة والمجاري البولية نتيجة البرد ونقص التغذية والإهمال.
ويضاف إلى ذلك فقر الدم والهزال الشديد، فقد أصبح أكثر السجناء أشباحًا بعدما تغيرت ملامحهم وضمرت أجسادهم، بعدما أصيبوا جميعًا بمختلف الأمراض.
وأذكر قصة هي أقرب إلى الخيال ملخصها: أن أم أحد المعتقلين قد تمكنت بعد عناء شديد من زيارته، فوقف مشدوهًا أمامها، لم يعرفها للوهلة الأولى، وهي بدورها لم تميزه، فكلاهما قد تغيرت ملامحه، فالأم قد تغيرت من شدة حزنها على ابنها المفقود، والابن قد تغيرت ملامحه من شدة ما يعانيه من قهر وتعذيب وتجويع، فانهمرت الدموع من عيونهما وأخبرنا بما حصل معه، وكأن ما حصل أسطورة حبكها خيال شاعر درامي.
إنني أكذب نفسي أو أكاد حينما أسترجع بذاكرتي تلك الأيام الحالكة السواد، وأتساءل: هل صحيح أنني واجهت ذلك التعذيب، وواجهت كل تلك الوقائع في باستيل سورية على عهد القرامطة الجدد؟ وهل صحيح أنني نجوت من تلك المحنة؟ نعم .. !! لقد ولدت من جديد، ومنحني الله عمرًا آخر، فالداخل لذلك المكان مفقود، والخارج منه مولود، والعاقبة للتقوى.
ولابد لي في نهاية حديثي عن الأمراض في سجن العذاب والموت، سجن تدمر من ذكر آفات أخرى أصابت بعض المعتقلين، وسببت لهم عاهات دائمة، كتيبّس المفاصل بسبب الضرب الشديد عليها وتركها دون علاج، والشلل الذي أصاب بعض المعتقلين نتيجة للضرب على الرأس أو العمود الفقري، وهناك أيضًا العمى الجزئي، أو الكلي نتيجة الضرب على الوجه وقد أصبت بعيني اليسرى فأصبحت حدة النظر فيها 1/ 10 بعد أن كانت سليمة تمامًا، والصمم الجزئي نتيجة لانثقاب غشاء طبلة الأذن، أو نتيجة لالتهاب الأذن الوسطى دون وجود معالجة، ومن أخطرها الإصابات العقلية كالهستيريا والجنون وفصام الشخصية التي أصيب بها بعض السجناء نتيجة التعذيب والإرهاب.
واعتاد أحد الإخوة المصابين بالجنون أن يقف خطيبًا بصوت عال، وكثيرًا ما أدى ذلك لحضور المجرمين ليضربوه بشدة، وعندما عرفوا أمره صاروا يحضرون للاستهزاء والسخرية منه، وقبل ذلك