فهرس الكتاب
ويتفرد سجن تدمر عن غيره من المعتقلات بطابع القمع، ولما كان الهدف الأساسي من عمليات الاعتقال وغيرها من الإجراءات القمعية التي اتبعت منذ عام 1979 هو تصفية المعارضة الإسلامية جسديًا ومعنويًا، فقد تطلب ذلك إلقاء القبض على كل من له علاقة بتلك المعارضة، لشلها تمامًا عن الحركة، وكان ذلك السجن مجسدًا لذلك الهدف، إذ تم بواسطته عزل المعتقلين عن المجتمع، حتى لا تصل أخبارهم إلى خارج أسواره، وتم اختياره لهذه الغاية، فموقعه بعيد عن جميع التجمعات السكانية، لأنه يقع وسط الصحراء، محاطًا بمنطقة عسكرية، واختير العاملون فيه من النصيريين والمنافقين، وبالتالي فإن الزيارات غير واردة بالنسبة لسجناء تدمر، ليتحقق هذا الهدف الأمني، ومع ذلك، فلا يخلو الأمر من بعض الاستثناءات لوجود علاقات بين ذوي بعض المعتقلين وبين بعض رموز السلطة.
ولقد كانت قرارات إدخال وإخراج المعتقلين من وإلى سجن تدمر ترتبط مباشرة بالصنم الأكبر (حافظ أسد) والذين نجح ذووهم بزيارتهم، على ندرة هذه الحالات، فقد جاءت بموافقة شخصية وخاصة منه، وتبقى حالات استطاع فيها بعض ضباط المخابرات تأمين زيارات لذوي المعتقلين، إذ يتم استدعاء المعتقل لفرع المخابرات بدعوى التحقيق، وهناك داخل الفرع يلتقي بأهله ثم يعود ثانية لسجن تدمر، وكان هذا يتم بعد تقديم رشوة كبيرة. وقام المجرم غازي كنعان بهذه التجارة الرابحة، وعن طريق فروع المخابرات العسكرية في المحافظات الأخرى ويكون فرع حمص في هذه الحالة صلة والوصل بين سجن تدمر وفروع المخابرات الأخرى، لأنه المسؤول المباشر عن سجن تدمر، لموقع مدينة تدمر ضمن محافظة حمص، وفي هذه الحالة، تحضر دورية من حمص مع أمر خطي بإحضار معتقل ما، ويتم نقله إلى حمص ليبقى هناك فترة من الوقت، ربما تستمر أيامًا، يلتقي خلالها بأهله، وغالبًا ما يتم اللقاء داخل غرفة غازي كنعان نفسه الذي لا تفوته هذه المناسبة لإلقاء محاضرة في الإسلام والوطنية على المعتقل وأهله، مبررًا فيها تصرفات عصابته، ثم يعاد ذلك المسكين إلى مقبره الأول في زنزانته.
وفي حالات أخرى، توسط فيها أقارب المجرم فيصل غانم (مدير سجن تدمر) وخاصة أمه كسماسرة لتأمين زيارات مثمنة ماديًا لبعض المعتقلين، وهنا يحضر أقارب المعتقل لمقابلته في السجن. وحقق أزلام النظام أرباحًا طائلة من هذه التجارة، إذ كانت تكلف زيارة المعتقل مبالغ طائلة، قد تصل إلى 30.000 ليرة سورية (30) ، وفي كثير من الحالات، كان ذوو المعتقلين يدفعون الرشاوى ويتكبدون عناء السفر إلى تدمر دون جدوى، نتيجة لتضليلهم من قبل أزلام النظام، وابتزازهم لهم، لأنهم يعرفون بأن هذا المعتقل غير موجود في تدمر بسبب استشهاده أو نقله لمكان آخر، أو قد يرفض القائمون على السجن تلك الوساطات. وهذا الأمر يكون معروفًا من قبل الذين قبضوا الرشاوى،