فهرس الكتاب
وربما لا يعرف الجلادون مصير ذلك المعتقل ليرجع الأهل بعد ذلك مصدومين بعد فشلهم في البحث عن معتقلهم الغالي، ويظل أولئك المساكين يدفعون الرشاوي ويكابدون عناء السفر من مدينة لأخرى، ويسألون كل من يظنون أنه يعلم شيئًا عن أبنائهم، أو يستطيع مساعدتهم في الوصول إليهم، لكن الأيام تمر، وتتلوها السنون، وهم على تلك الحالة البائسة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
التقاء السجين بأهله: إذا كان المعتقل ممن قدّر الله له أن يظل على قيد الحياة حتى يقابل بعض أقاربه، وهذا يحصل مع 50% (31) ، من الحالات، يحضر السجانون لأخذ المعتقل، قائلين له: اخرج عندك زيارة. وقد لا يصدق المعتقل وإخوانه ذلك، لأنه سبق للسجانين أن أخرجوا بعض المعتقلين بحجة الزيارة، وكانت الغاية غير ذلك، كالمحكمة أو النقل لسجن آخر، أو مهجع آخر، أو العودة لفرع المخابرات من أجل التحقيق أو لإجراء مقابلة تلفزيونية، لذلك يستولي الخوف على السجين، ويبادر إخوانه بالدعاء والتضرع إلى الله أن يحفظه من كيد الأشرار، ويستخدم الزبانية الإهانات كعادتهم عندما يلتقون بالمعتقلين وقد يتعرض المعتقل للضرب.
يؤخذ السجين إلى ساحة الإدارة، وهناك شبك حديدي مزدوج يفصل بينهما فراغ، يقف الأهالي خلف الشبك الأول من ناحية باب السجن، ويقف السجين خلف الشبك الثاني داخل السجن، ويقابل السجين أهله بوجود الزبانية بين الشبكين يستمعون لأحاديث المعتقل مع أهله، ويتدخلون مقاطعين الأحاديث، وتنهى الزيارة قبل انتهاء مدتها إذا لم يعجبهم الكلام، وتكون مدتها عشر دقائق فقط، ويأمر الحرس المعتقل بالانصراف بعدها، وأحيانًا يتم اللقاء بين المعتقل وذويه في غرفة مدير السجن وبحضوره شخصيًا هو أو نائبه (وكان برتبة نقيب في ذلك الوقت) وللمحسوبية دور كبير في إنجاز ذلك، ويحصل مدير السجن على حصته من الرشاوى، وهنالك يجلس الجميع على المقاعد الموجودة في غرفته، ويستغل مدير السجن أو نائبه تلك المناسبة للكلام عن الوطنية وعن المجرمين الذين ورطوا البلاد والعباد، واضطروا الدولة لاعتقال الناس، وكان للعدالة أن تأخذ مجراها، فيعاقب المذنب على إساءته، ويخرج البريء من السجن، وكان المجرم فيصل غانم يتظاهر أمام أهالي المعتقلين بأنه شخص متواضع ومؤدب، لأنه رجل مسؤول في دولة محترمة، وهذا سلوك المجرم غازي كنعان أيضًا. ومن يستمع لقوله ويقارنه بتصرفاته السادية مع نزلاء السجن من تعذيب وإهانة، وهو المسؤول الأول عنها، يدرك تمامًا حقيقة القوم وباطنيتهم، ومدى التناقض الرهيب بين أقوالهم وأفعالهم، وهو ديدن أكثر حكام المسلمين في زماننا النكد، ولكن باطني سورية يتفوقون على الجميع.