فهرس الكتاب
أوضاعهم، ورفع طلباتهم للسلطات العليا، لعل بعضهم يتقدم بطلبات استرحام، أو يعلن توبته وتراجعه أو تخليه عن أفكاره، أو انسحابه من المنظمة أو الحزب الذي ينتمي إليه.
أما بالنسبة لسجناء تدمر فالأمر مختلف تمامًا، فلا توبة تقبل، ولا عفو عن أحد من قبل السلطة. لقد خلع القوم برقع الحياء عن وجوههم، وداسوا كل الأعراف والقيم، وراحوا يتصرفون بما تمليه عليهم أحقادهم الدفينة، فكان مدير سجن تدمر يأتي للمعتقلين من حين لآخر، ليفتح باب الزنزانة، فينطلق كلابه لاقتحام المهجع وبسرعة غير معتادة، وغالبًا ما تكون الزيارة خارج أوقات المناسبات التي تحدثنا عنها، فيأمرون السجناء بالوقوف مغمضي الأعين، مطأطئي الرؤوس، و قد اصطفوا أمام الجدران، ووجوههم متجهة للأمام، يتجول ذلك المجرم داخل الزنزانة بينهم، متأملًا وجوههم، ويقف عند بعضهم يفرغ شيئًا من حقده وشذوذه، سائلًا إياه: (أنت ولك ما هو دورك بالتنظيم؟ أو ما هي رتبتك بالتنظيم؟ لماذا جئت إلى هنا؟ ما اسمك؟ من أنت؟ ما عملك؟) ويسمعه السباب والشتائم، ويبصق في وجه بعض السجناء ثم ينصرف.
كان هدف الزيارة التعرف على السجناء، عله يرى أحدًا من المعروفين والمشهورين، سواء من الذين عرضوا في مقابلات تلفزيونية، أو تحدثت ونشرت عنهم وسائل الإعلام من العناصر القيادية النشطة جهاديًا، فيشفي حقده منهم، ويالها من شجاعة ورجولة:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة فتخاء تهرب من صفير الصافر
وكان المجرم يقوم بزيارته تلك مع كل دفعة جديدة تدخل ذلك السجن الجهنمي، وتعرف مرة على شخصين من محافظة اللاذقية فأرسل جلاوزته لهما، وأخرجوهما ليذوقا من العذاب حظًا ومن الإرهاب نصيبًا، وأصيب أحدهما بكسر في ظهره نتيجة التعذيب، واستدعى جميع أفراد تلك الدفعة للتحقيق، فقر في نفوسنا حقيقة إطلاعه على ملفات المعتقلين.
وكنا ننال حظًا من اللكم والرفس واللطم أثناء تلك الزيارات المشؤومة، لأن السياط غير موجودة مع الجلادين، لأن عليهم تأدية المراسم العسكرية من تحية وتقديم الصف أثناء حضور سيدهم، وكان برتبة رائد وتمت ترقيته فيما بعد لرتبة مقدم.
وبدءًا من نهاية عام 1982 قام مدير السجن بزيارات للمهاجع، وتكلم بلغة خطابية في بعضها، وفي عام 1983 جمع نزلاء الباحة السادسة، وتكلم إليهم أيضًا، فراح يكرر العبارات التي يرددها سيده، من أنه مسلم ويصلي ويقرأ القرآن. كما تحدث عن المجرمين وعن العدالة وقال: نحن لم نحضر أحدًا من بيته أو من الشارع ظلمًا وعدوانًا، إنما أعمالكم هي التي أوصلتكم إلى هنا، وكل منكم سينال حقه، وإن المجرمين الذين خانوا الوطن سينالون جزاءهم العادل. كما تكلم عن كامب ديفيد والهجمة الإمبريالية الشرسة على القطر العربي السوري .. إلخ.